الثلاثاء 5 مايو 2026
  • الرئيسية
  • الصحافة اليمنية في يومها العالمي من "سلطة الشعب" إلى مقصلة القمع وأفخاخ الابتزاز

الصحافة اليمنية في يومها العالمي من "سلطة الشعب" إلى مقصلة القمع وأفخاخ الابتزاز

في الثالث من مايو، يحيي العالم اليوم العالمي لحرية الصحافة؛ وهي مناسبة لا تهدف فقط لتمجيد "مهنة المتاعب"، بل لمراجعة الدور الأخلاقي والوجودي لهذه المهنة التي أُطلق عليها "السلطة الرابعة". إن الصحافة في جوهرها ليست مجرد نقل للأخبار، بل هي العقد الاجتماعي الذي يربط المجتمع بالسلطة، والمجس الحساس الذي ينقل نبض الشارع إلى أروقة الحكم.

لقد أرست المادة (42) من الدستور اليمني أساساً متيناً لهذا الدور، حيث نصت على أن: *"لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وتكفل الدولة حرية الفكر والإعراب عن الرأي بالقول والكتابة والتصوير في حدود القانون"*.
هذا النص الدستوري يجعل من حرية الصحافة أداة تنفيذية لحق المواطن في الرقابة والإسهام العام. وبرزت الصحافة تاريخياً كسلطة رقابية قوية، مهمتها أن تكون "لسان حال المجتمع"، والعين التي لا تنام لمواجهة الفساد وقمع الانتهاكات. هي الأداة التي تكشف للمجتمع ما تسعى الأنظمة والسلطات الحاكمة إخفاءه من ممارسات ضارة وصفقات فاسدة خلافا للدستور والقوانين،
كما أن الصحافة تمثل خط الدفاع الأول عن الضحايا الذين لا يملكون صوتاً. وعندما تؤدي دورها بنزاهة، تتحول إلى آلية رقابة تحمي الحقوق والحريات وتحمي المال العام من صفقات مشبوهة تُبرم في الخفاء بمخالفة الدستور والقوانين تحقيقاً لمصالح شخصية أو حزبية مقيتة.
وبالرغم من هذه الضمانات الدستورية، وما تبعه من تنظيم لهذا الحق عبر قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1990،وغيرها من. القوانين ذات الصلة ، إلا أن التجربة العملية كشفت عن صراع مرير. فبينما منح الهامش الديمقراطي مساحة للتعبير، وضعت اللوائح التنظيمية قيوداً استُغلت للحد من هذا الحق.
لقد عاشت الصحافة اليمنية فترات من المد والجزر، لكن عملية القمع والترويع بلغت ذروتها عقب انقلاب وسيطرة جماعة الحوثي على العاصمة صنعاء؛ حيث دخلت الصحافة أحلك عصورها، وتحولت من أداة للرقابة إلى هدف للتصفية عبر الإغلاق والمصادرة والاختطافات، في محاولة ممنهجة لتجريف الوعي وإخراس صوت الحقيقة.
وهنا يبرز تساؤل جوهري ومؤلم في واقعنا المعاصر: **هل أصبحت مهمة الصحافة اليوم، بأدواتها التقليدية والحديثة، هي "تزيين" وجه المسؤولين وتلميع عثرات الحكومات؟** إن أخطر ما يواجه حرية الكلمة اليوم ليس القمع الأمني فحسب، بل "الاستتباع" المهني؛ حيث يتحول بعض الإعلاميين من مراقبين للفساد إلى خبراء تجميل للقرارات الخاطئة. حين يتخلى الصحفي عن دور الناقد البناء ليصبح "مروجاً"، فإنه يقطع جسور الثقة مع المجتمع، ويتحول إلى أداة لتمرير سياسات تعصف بمستقبل البلاد.
وبشكل أكثر جرأة، يجب أن نواجه الحقيقة العارية: **هل حول البعض الصحافة من رسالة مقدسة إلى وسيلة للابتزاز والتضليل؟** لقد ظهرت نماذج جعلت من الحقيقة سلعة للمساومة؛ فبدلاً من أن يكون كشف الفساد غاية لحماية المال العام، أصبح "التهديد بالكشف" وسيلة لجني الأموال وتحقيق المكاسب الشخصية. إن هذا النوع من "الصحافة المرتزقة" لا يقل خطورة عن الفساد نفسه؛ فالصحفي الذي يبيع قلمه للابتزاز، يطعن مهنته في مقتل، ويشارك في قمع الضحايا مرتين: مرة بصمته، ومرة بمتاجرته بآلامهم.
ونحن نحتفي باليوم العالمي للصحافة، ينبغي علينا جميعاً أن ندرك أن استعادة الدور الريادي للمهنة تتطلب شجاعة أخلاقية قبل المهنية. لا يمكن للصحافة أن تكون "سلطة رابعة" وهي ترتجي المكاسب على حساب المصالح العامة. إن حماية حقوق الضحايا، والوقوف في وجه التفريط بالحقوق الدستورية، والترفع عن صفقات المصالح، هي السبيل الوحيد لإعادة الاعتبار لهذه المهنة.
نحتاج اليوم إلى صحفيين يدركون أن وظيفتهم هي إزعاج الفاسدين لا طمأنتهم، وأن مكسبهم الحقيقي هو "ثقة الناس"، لا أرصدة البنوك التي تُبنى على أنقاض الحقيقة وضياع الأوطان.
ولا ننسى بهذة المناسبة أن أتوجه إلى صحيفة النداء ورئيس تحريرها و لكل *صحفي حر* آمن بأن الكلمة أمانة والمهنة رسالة سامية لا تقبل المساومة. باسم. ايات التقدير والاحترام ولكل الصحفيين في اليمن أولئك الذين جعلوا من أقلامهم لسان حال المجتمع ونبضاً صادقاً ينقل قضايا المكلومين ويجسد تطلعاتهم، متمسكين بأخلاقيات المهنة كدستور حياة لا يحيد عن الحق.
لقد برهنتم بصمودكم أن الصحافة ليست مجرد وظيفة، بل هي **جبهة الدفاع الأولى عن الحقوق والحريات**. ورغم ما واجهتموه من قمع وتنكيل ومحاولات إبعاد وتغييب، بقيت "الحقيقة" غايتكم الأسمى، وبقي انحيازكم للإنسان وحده هو العنوان. إن إخلاصكم لمهنيتكم في زمن عزّ فيه الثبات هو الضمانة لبقاء الوعي حياً، فلكم منا كل الفخر والاعتزاز بوصفكم حراساً للحق ومنارةً للعدل.تحية إجلال لحراس الحقيقة
إلى القابضين على جمر المبدأ، والذين لم تضلّ بوصلتهم يوماً في عواصف التزييف.