الأربعاء 6 مايو 2026
  • الرئيسية
  • صحيفة "النداء".. صوتٌ لم يخفت في زمن الصمت

صحيفة "النداء".. صوتٌ لم يخفت في زمن الصمت

في الثالث من مايو من كل عام، يحتفي العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، هذه المناسبة التي تتجاوز طابعها الاحتفالي لتغدو محطة للتذكير بقيمة الكلمة الحرة، وبحجم التحديات التي تواجه الصحفيين في مختلف أنحاء العالم. وفي اليمن، يكتسب هذا اليوم دلالةً أكثر عمقًا، إذ تأتي المناسبة والصحافة تعيش واحدة من أصعب مراحلها، في ظل حربٍ لم تتوقف على الحقيقة، سواء في زمن السلم أو في أوقات النزاع، حيث تتعرض الأقلام الحرة للاستهداف والتضييق.

في هذا السياق، تبرز صحيفة "النداء" كواحدةٍ من التجارب الصحفية التي حافظت على حضورها، واستمرت في أداء رسالتها رغم كل التحولات القاسية التي شهدها الواقع. صدرت "النداء" في بداياتها كصحيفة ورقية، حاملةً مشروعًا إعلاميًا يسعى إلى ترسيخ قيم المهنية والاستقلالية، وتقديم خطاب صحفي يعكس هموم الناس ويواكب قضايا المجتمع. ومنذ انطلاقتها، لم تكن مجرد صحيفة تقليدية، بل شكلت منصة للرأي الحر، ومجالًا مفتوحًا للنقاش العام، مستندةً إلى معايير صحفية رصينة.
ومع تعقّد الأوضاع في البلاد، وتوقف العديد من الصحف الورقية نتيجة الظروف السياسية والاقتصادية، لم تتوقف "النداء"، بل أعادت تموضعها كصحيفة إلكترونية، مواكبةً التحولات، ومتمسكةً برسالتها. هذا الانتقال لم يكن مجرد تغيير في الوسيلة، بل كان تعبيرًا عن إرادة الاستمرار، وعن إيمان عميق بأن الكلمة الحرة لا يمكن أن تُقيد.
ما يُحسب لصحيفة "النداء" هو التزامها الواضح بالمهنية والاستقلالية، في وقتٍ باتت فيه هذه القيم نادرة. فقد سعت إلى تقديم محتوى متوازن، يبتعد عن الاصطفافات الضيقة، ويعطي مساحة لمختلف الآراء، دون أن تفقد بوصلتها الأخلاقية والمهنية. وهذا ما أكسبها ثقة قطاع واسع من القراء، وجعلها واحدة من الصحف المتميزة في المشهد الإعلامي.
وفي مرحلة غابت فيها الكثير من الصحف، أو تراجعت أدوارها، حضرت "النداء" بقوة، لتغدو متنفسًا إعلاميًا وسياسيًا، استوعبت من خلاله عددًا كبيرًا من الكتّاب والصحفيين، وفتحت صفحاتها لأصوات متعددة، بعضها كان مهددًا بالتهميش أو الإقصاء. وهنا، لم تكن "النداء" مجرد ناقل للخبر، بل كانت حاضنة للكلمة، ومساحة للحوار، ومنبرًا يعكس تنوع المجتمع وتعدد رؤاه.
غير أن هذا الحضور لم يكن دون كلفة. فالصحيفة، كغيرها من المشاريع الإعلامية المستقلة، تواجه تحديات كبيرة، في ظل شح الموارد، وغياب الدعم المؤسسي، وتراجع سوق الإعلان. وهي اليوم تقف أمام اختبار صعب، يتطلب تضافر الجهود للحفاظ على هذا المنبر الذي أثبت أهميته.
ومن هنا، تتقاطع رسالة اليوم العالمي لحرية الصحافة مع واقع "النداء"، ومع واقع الصحافة اليمنية عمومًا. فالدفاع عن حرية الصحافة لا يكون بالشعارات فقط، بل بدعم المنابر الحرة، والوقوف إلى جانب الصحفيين الذين يواجهون الضغوط والمخاطر من أجل نقل الحقيقة. إن الحرب على الصحافة، التي لم تتوقف، تستدعي موقفًا واضحًا، وانحيازًا صريحًا لحرية الكلمة، ورفضًا لكل أشكال القمع والاستهداف.
وفي هذا السياق، تأتي حملة التبرع والدعم التي أطلقتها الصحيفة، كنداءٍ صادق لكل من يؤمن بحرية الصحافة، وبأهمية وجود إعلام مستقل. فدعم النداء ليس دعمًا لمؤسسة بعينها، بل هو إسهام في حماية مساحة من الحرية، والحفاظ على صوتٍ ظل حاضرًا حين غابت أصوات كثيرة.
إن صحيفة "النداء"، بما تمثله من تجربة، تستحق كل أشكال الدعم والمساندة، لأنها لم تكن يومًا مجرد صحيفة، بل كانت ولاتزال موقفًا... وصوتًا. ومسؤولية.