حين يتحول الوطن إلى "مشجعين" لا مواطنين
في الدول التي تنهار ببطء، لا يبدأ الخراب دائمًا بصاروخ أو انقلاب أو أزمة اقتصادية...
أحيانًا يبدأ بجملة صغيرة جدًا:
"هذا من جماعتنا... إذن هو على حق".
ومن هنا تبدأ المأساة.
يتحول الوطن إلى مدرج كرة قدم، والجماهير تهتف لا لأن الفريق جيد، بل لأنه يرتدي نفس اللون والطائفة والمنطقة والعشيرة والحزب.
أما الكفاءة؟
أما العدالة؟
أما الإنجاز؟
فهذه تفاصيل "كمالية" لا تليق بعصر التصفيق الأعمى.
المواطن الذي لا يجد راتبًا، ولا كهرباء، ولا تعليمًا، ولا علاجًا، يخرج بكل حماس ليدافع عن الزعيم الذي أوصله إلى هذا الخراب، فقط لأنه "يشبهه" في الاسم أو المذهب أو المنطقة.
وهنا تتحول السياسة من إدارة دولة إلى إدارة غرائز.
الأحزاب والجماعات تعرف هذه اللعبة جيدًا.
تعرف أن المواطن الواعي خطر، لكن المواطن المتعصب كنز استراتيجي.
لذلك لا يتم الاستثمار في المدارس بقدر الاستثمار في الكراهية.
ولا في التنمية بقدر الاستثمار في التخويف.
كل جماعة تقول لأتباعها:
"إذا سقطنا... سيأكلكم الآخر".
فيتحول الشعب إلى قطعان مذعورة، تخاف من بعضها أكثر مما تخاف من الفقر والجوع والفساد.
المفارقة الساخرة أن المواطن الذي يصرخ دفاعًا عن الحزب، غالبًا لا يجد واسطة لعلاج ابنه في مستشفى حكومي.
والذي يسبّ الآخرين ليل نهار دفاعًا عن الطائفة، يعيش بلا ماء ولا كهرباء ولا مستقبل.
أما القيادات؟
فتجلس في الفنادق المكيفة، تتبادل الابتسامات في المؤتمرات، ثم تعود الجماهير إلى مواقع القتال الإلكتروني والفعلي.
الحروب الأهلية لا تبدأ من اختلاف الأفكار، بل من تقديسها.
حين يصبح الحزب "دينًا"، والطائفة "وطنًا"، والزعيم "معصومًا"، ينتهي العقل ويبدأ التصفيق الجنائزي للدولة.
هنا تتحول الكارثة إلى معادلة صفرية: لا منتصر حقيقي، ولا مهزوم وحيد.
الجميع يخسر.
الاقتصاد ينهار...
الثقافة تتحول إلى نشرات تحريض...
الجامعات تنتج متعصبين بدل علماء...
والسياسة تصبح سوقًا لبيع الأوهام الوطنية.
ثم يأتي السؤال الساخر المبكي: إذا كان حزبك عبقريًا لهذه الدرجة… لماذا ما زلت فقيرًا؟
إذا كانت جماعتك تحمل "المشروع العظيم"... لماذا يهاجر أبناؤها بالمراكب؟
إذا كان زعيمك تاريخيًا... لماذا يعيش الشعب على المساعدات والتحويلات؟
الحقيقة المؤلمة أن كثيرًا من الشعوب لا تُهزم فقط بسبب فساد الحكام، بل أيضًا بسبب عشقها المرضي للانقسام.
فالحاكم الفاشل يعيش طويلًا حين يجد جماهير مستعدة لتحويل الفشل إلى "بطولة قومية".
وفي النهاية، المواطن البسيط هو من يدفع الفاتورة كاملة: يدفعها من راتبه،
ومن دم ابنه،
ومن مستقبل أطفاله،
ومن عمر وطنه.
أما الزعماء المتخاصمون في الإعلام؟
فغالبًا يلتقون خلف الكواليس، يشربون القهوة نفسها، ويضحكون على الجماهير التي تتقاتل نيابة عنهم مجانًا.
المشكلة ليست في اختلاف الناس... فهذا طبيعي.
المشكلة حين يصبح الاختلاف مشروع كراهية دائم، وحين يتحول الانتماء إلى سجن عقلي يمنع الإنسان من رؤية الحقيقة حتى لو كانت تسحقه يوميًا.
الدولة لا تُبنى بالمذهب،
ولا بالعشيرة،
ولا بالشعارات الثورية،
ولا بالأغاني الحماسية.
الدولة تُبنى بالمواطنة والعدالة والكفاءة والحوار.
أما حين يصبح الوطن مجرد "غنيمة" تتقاسمها الجماعات...
فلا تنتظروا سوى المزيد من الأعلام المرتفعة... فوق المزيد من الخراب.
