كبير الرحالة سعيد السروري.. وفاجعة الفراق
فُجِعتُ بخبر وفاة الكابتن سعيد السروري الذي نُشر في جروب فريق "الهاش" للمشي والتسلق. لم أستوعب ما حدث، وشعرت كأن حزنًا جديدًا تسلل إلى قلبي، فأنا بطبعي أتألم كثيرًا لفقدان من أعرف، وأذرف لأجلهم الدمع بحرقة، وكأن جزءًا من حياتي وذاكرتي ذهب معهم. فكيف إذا كان الراحل الكابتن سعيد، الذي كنت أشعر بالتفاؤل كلما رأيته حاضرًا بحماسه المعهود في كل فعاليات الهاش التي كنت أشارك فيها.

صحيح أني انقطعت لفترة عن المشاركة في أنشطة الفريق بعد وفاة والدي، إذ سيطر عليّ شعور بالإحباط، وكنت أرى أن ما أفعله لم يعد ذا جدوى، لا صحيًا ولا نفسيًا. ولكن لا أنكر أن ذكرى الكابتن سعيد ورفاقه بقيت مرتبطة لديّ بالحيوية والنشاط والاستمرارية، وكأنهم كانوا الدافع وراء تفكيري بالاستمرار والمحاولة في ذلك.
في البداية، لم أكن أعرف كابتن سعيد شخصيًا، وإنما تعرفت عليه من خلال أنشطتهم الأسبوعية التي كنت أتابعها عبر صفحة الكاتب والمشّاء عبدالكريم الرازحي، والتي كانت سببًا في التحاقي بفريق "الهاش" للمشي والتسلق، الذي كان يرأسه الكابتن سعيد السروري.
أتذكر أول لقاء جمعني به جيدًا، في 13 يوليو 2023، خلال أول مشاركة لي برفقة صديقتي. عندما التقينا به في نقطة التجمع عند فرزة حدة الفندق، وكان في قمة اللطف والذوق، رحب بنا وسعد بمشاركتنا كنساء في هذه الرياضة التي نادرًا ما تُقبل عليها النساء في اليمن. كانت ابتسامته لا تفارق وجهه، ولعلَّ هذا التعامل الطيب كان أحد الأسباب التي شجعتني على الاستمرار ضمن هذا الفريق الرائع الذي وجدت فيه روح العائلة، حيث يجتمع فيه الأب والأخ والصديق.

كان الكابتن سعيد السروري، من الشخصيات البشوشة، المحبة للحياة والرياضة، بخاصة رياضة المشي والتسلق التي ارتبط بها منذ عشرات السنين. فقد بدأ ممارستها منذ أوائل الثمانينيات مع الأجانب، وكان يحرص على ممارستها معهم أسبوعيًا، تحديدًا يوم الاثنين. وظل مستمرًا ومتمسكًا بهذه الرياضة حتى بعد مغادرة الأجانب اليمن. وكان يخرج كل خميس مع فريقه حتى خانته صحته مؤخرًا، واضطر قبل أسابيع إلى السفر خارج الوطن، لتلقي العلاج في جمهورية مصر العربية، وهناك غادرت روحه الجسد، تاركةً حزنًا في قلوبنا جميعًا.
كان "عم سعيد"، كما يحلو للكثير تسميته، أشبه بطائر حر يحلق في السماء، فارِدًا جناحيه بين الجبال والمنحدرات، متنقلًا بينها وبين الشلالات والسدود، مندمجًا مع الطبيعة بكل تفاصيلها الجذابة. كنت حينما أراه أتعجب من لياقته البدنية رغم تقدمه في العمر، وأتذكر أني في أحد الأيام همست لصديقتي قائلة: "والله طلعنا نحن العجائز، مش هم".
وللمعلومة، لم يكن الكاتبن سعيد السروري مجرد رياضي أو موظف متقاعد من شركة الخطوط الجوية اليمنية، بل كان أيضًا فنانًا مبدعًا، يتملك موهبة الرسم، وقد ترك خلفه عددًا من اللوحات الزيتية التي تعكس حسه الفني وذائقته الرفيعة.

اليوم رحل "كبير الرحالة" سعيد السروري، لكن أثره سيظل باقيًا في كل خطوة نخطوها بين الأحراش، في كل جبل نتسلقه ومنحدر ننزله، في كل صورة نوثقها لذكرى على سفح جبل أو في قمته أو تحت ظلال الأشجار، في كل نسمة هواء نستنشقها بعد كل رحلة، سيظل صدى صوته وضحكاته ومزاحه كترنيمة ترافقنا أينما ذهبنا.
رحم الله الكابتن سعيد، وربنا يجعل الجنة مثواه.
