الإثنين 4 مايو 2026

صناعة الهيمنة قبل حصول التحوّل

لم يكن ما شهدته المنطقة العربية خلال القرن الماضي صدفةً عابرة، بل نتاجَ سياساتٍ دوليةٍ رسمت خرائط النفوذ بوعيٍ كامل. في ذروة قوتها، أسست الإمبراطورية البريطانية كيانًا في قلب المنطقة، لإبقاء النفوذ الغربي، وأداةً لإعادة توزيع القوة وضبط إيقاعها. كيانٌ وُلد خارج سياقه الطبيعي، فبقي عاملَ توترٍ دائمٍ، يُسهم في منع التماسك العربي وتفكيك الاستقرار الإقليمي.

ومع أفول الدور البريطاني، تسلّمت الولايات المتحدة هذا الملف، ومنحته دعمًا غير محدودٍ سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا، حتى غدا لاعبًا مهيمنًا في معادلات الصراع. هذا الدعم لم يرسّخ التفوق فحسب، بل أعاد تشكيل توازنات المنطقة على نحوٍ جعل الاستقرار رهينةً لمعادلات القوة، لا لمبادئ العدالة.
في المقابل، تتصاعد الانتقادات الدولية، وتتراكم التقارير الحقوقية التي تضع الواقع القائم تحت مجهر المساءلة، بينما تبقى الفجوة قائمةً بين الخطاب والممارسة. ذلك لأن العلاقة بين واشنطن وهذا الكيان تجاوزت حدود التحالف إلى شراكةٍ عضوية، تؤمّن له الحماية وتمنحه القدرة على فرض الوقائع.
غير أن العالم يتغيّر؛ فالهيمنة الأحادية تتآكل تدريجيًا، وقوى دولية جديدة تفرض حضورها. الضغوط الاقتصادية، وتضخّم الديون، والتحولات التكنولوجية، كلها عوامل تدفع نحو إعادة تعريف الأولويات والسياسات، وتفتح الباب أمام نظامٍ دوليٍ أكثر توازنًا.
ورغم ذلك، فإن الكيان الذي نشأ في ظل تلك الرعاية لم يعد مجرد امتدادٍ لقوةٍ خارجيةٍ سخّرت إمكاناتها ونفوذها، بل أصبح جزءًا من واقعٍ إقليميٍ معقّد، فرض مسارات التطبيع، وكرّس محاولات السعي لدمجه في المنطقة.
في خضم هذه التحولات القاسية، يظل السؤال: من يصنع المستقبل؟
هل القوى الكبرى وحدها، أم شعوب المنطقة حين تدرك موقعها، وتستعيد إرادتها، وتفرض معادلةً جديدة عنوانها الكرامة والعدالة؟
- برلماني وسفير سابق