الأحد 3 مايو 2026

بين نسرين.. وطنٌ يتشظّى بصمت

ليست المشكلة في شكل الشعار المعلّق على كتف جندي، ولا في علمٍ مرفوع داخل مكتب مسؤول. المشكلة أعمق من ذلك بكثير: حين تدخل مؤسسة سيادية فتجد أكثر من رمز، وأكثر من رواية، وأكثر من ولاء، فأنت لا تقف أمام "تنوع"، بل أمام دولة لم تحسم تعريف نفسها بعد.


في لحظة واحدة، يمكن أن ترى النسر الذي كان يرمز لدولة سابقة، وبجواره شعار الدولة القائمة، وتسمع خطابًا يتحدث باسم "الجمهورية اليمنية"، بينما تتحرك في الميدان عقليات لاتزال مشدودة إلى تصورات أخرى. هذا المشهد لا يمكن اعتباره تفصيلًا عابرًا؛ إنه صورة مكثفة لوطن يعيش ازدواجًا في الهوية، وارتباكًا في الاتجاه.
الدول لا تُبنى بالرموز المتعددة، ولا تستقر بولاءات متوازية. أية مؤسسة أمنية أو عسكرية تحمل داخلها أكثر من مرجعية، هي عمليًا مؤسسة قابلة للانقسام عند أول اختبار حقيقي. وما يبدو اليوم تعايشًا، قد يتحول غدًا إلى صدام، ليس لأن الناس تريد ذلك، بل لأن الأساس نفسه هش.
الأخطر من ذلك أن هذا الارتباك لا يبقى محصورًا داخل الجدران الرسمية، بل يتسرّب إلى وعي المواطن. حين يرى المواطن أكثر من علم وأكثر من خطاب، يبدأ بفقدان الإحساس بوجود دولة واحدة تحميه. ومع الوقت، تتحول الدولة في ذهنه من كيان جامع إلى ساحة نفوذ تتقاسمها قوى مختلفة.
وفي مثل هذه البيئات المربكة، تجد الأجندات الخارجية طريقها الأسهل. لا تحتاج هذه الأجندات إلى اختراقات معقدة؛ يكفيها أن تستثمر في الانقسام القائم، وتغذّي التباينات، وتدفع كل طرف ليتمسك بروايته الخاصة. هكذا يتآكل الوطن من الداخل، لا عبر صدام مباشر، بل عبر تفكيك بطيء ومستمر.
ليس المطلوب هنا إنكار التاريخ، ولا مصادرة الهويات، بل المطلوب وضوح سياسي صريح: ما هو شكل الدولة التي نريد؟ وما هي مرجعيتها؟ لا يمكن أن نستمر في تأجيل هذا السؤال بينما نبني مؤسسات يفترض بها أن تحمي الجميع.
إن أي مشروع وطني -سواء كان وحدة أو فيدرالية أو غير ذلك- لن ينجح ما لم يُبنَ على أساس واضح:
مرجعية واحدة، مؤسسة أمنية موحدة، وعقيدة وطنية لا تحتمل التأويل.
غير ذلك، سنبقى نعيش داخل دولةٍ تبدو قائمة في الشكل، لكنها في الجوهر مجموعة مسارات متقاطعة، قد تتباعد في أية لحظة.
الوطن لا يتجزأ دفعة واحدة، بل يتفكك تدريجيًا... حين نقبل أن يعيش بأكثر من وجه، وأكثر من قلب.