الإثنين 4 مايو 2026

تحولات سعودية حاسمة في اليمن

تعكس تصريحات الكاتب والصحفي السعودي عبد الرحمن الراشد حول اليمن اتجاهاً متقدماً داخل دوائر التفكير السعودي نحو مراجعة شاملة للسياسة المتبعة في اليمن، حيث لم يعد الحديث يدور حول الحسم العسكري بقدر ما يركز على كيفية إدارة الواقع القائم وتقليل الخسائر الاستراتيجية.

وقد جاء هذا التحول نتيجة تراكم سنوات من الصراع دون تحقيق الأهداف المعلنة، ما دفع الرياض إلى الإقرار بوجود أخطاء في التعاطي المبكر مع الملف الجنوبي وترك المجال لتعدد القوى المتنافسة.
في هذا السياق، برزت خلال الأسبوع الماضي لقاءات جديدة بين مسؤولين سعوديين وممثلين عن سلطة صنعاء في إطار مسار تفاوضي مستمر، يجري غالباً عبر قنوات مباشرة وغير مباشرة وبرعاية إقليمية، حيث ركزت هذه اللقاءات على تثبيت التهدئة ومعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية مثل الرواتب وفتح المنافذ، وهو ما يعكس جدية متزايدة في الانتقال من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة البحث عن تسوية مستدامة تنطلق من الوقائع الحالية على الأرض.
هذا المسار التفاوضي يعكس تحولاً نوعياً في الاستراتيجية السعودية، حيث باتت الرياض تنظر إلى سلطة صنعاء باعتبارها طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية لليمن، بدلاً من التعامل معها كخصم يمكن إقصاؤه عسكرياً، وهو تحول تفرضه موازين القوى الميدانية وتداعيات الحرب الطويلة، إضافة إلى رغبة السعودية في تحييد جبهتها الجنوبية وتقليل التهديدات الأمنية المباشرة على حدودها.
كما أن هذا التوجه يرتبط بالتطورات الإقليمية المتسارعة، حيث دخلت العلاقة بين السعودية وإيران مرحلة شديدة الحساسية في ظل التصعيد المرتبط بالحرب التي تخوضها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، وما تبع ذلك من ردود إيرانية طالت مواقع داخل الأراضي السعودية، وهو ما أعاد طرح هاجس انتقال المواجهة إلى نطاق أوسع، وفرض على الرياض اعتماد سياسة حذرة تقوم على خفض التوتر في الملفات الثانوية، وعلى رأسها اليمن، لتجنب التورط في مواجهة متعددة الجبهات قد تكون كلفتها الاستراتيجية عالية.
في المحصلة، تبدو السياسة السعودية اليوم أكثر براغماتية وارتباطاً بحسابات الأمن القومي المباشر، حيث تسعى إلى تثبيت الاستقرار على حدودها وتقليل كلفة الانخراط العسكري، وفتح المجال أمام تسوية سياسية حتى لو اقتضى ذلك إعادة تعريف الأهداف السابقة والتخلي عن بعض رهاناتها، وهو ما يفسر تسارع وتيرة الاتصالات مع سلطة صنعاء ومحاولة الوصول إلى تفاهمات مرحلية قد تمهد لاحقاً لاتفاق أوسع ينهي حالة الاستنزاف المستمرة منذ سنوات.