الأربعاء 6 مايو 2026

عن سطوة الجماعة وغياب الفرد..

تابعتُ مؤخرًا محاضرة على منصة يوتيوب كان يتحدث فيها المحاضر عن التأثير الجماعي والتأثير الفردي داخل الجماعة، ولم يكتفِ بالشرح النظري، بل قرر أن يختبر الفكرة أمام الحاضرين عبر تجربة بسيطة وذكية؛ اتفق معهم على أن هناك طالبًا يتأخر دائمًا عن الحضور، وطلب منهم أنه حين يدخل ويُسأل عن لون الملف الذي بيده—وهو في الحقيقة أخضر—يجيب الجميع بأنه “أحمر”، لنرى كيف سيتصرف أمام هذا الإجماع المضلِّل.

مضت المحاضرة، وجاء الطالب متأخرًا كما هو متوقع، بينما ظل النقاش جاريًا بشكل طبيعي، رفع المحاضر الملف وسأل: ما لون هذا الملف؟ فأجاب الحضور بصوت واحد: أحمر. التفت الطالب يمينًا ويسارًا، ملامح الدهشة ترتسم على وجهه، وكأن الواقع انقلب فجأة، كان يرى الأخضر بعينيه، لكن الجميع يقولون أحمر، وحين وُجّه إليه السؤال مباشرة، تردد للحظة، ثم قال—منهزمًا أمام ضغط الجماعة—أحمر، فضحك الحضور، ليُكشف له لاحقًا أنه كان جزءًا من تجربة تُظهر قوة التأثير الجمعي على الفرد.
هذه الواقعة ليست مجرد موقف طريف، بل هي تجسيد حي لما أثبته عالم النفس سولومون آش في تجاربه الشهيرة حول الامتثال، حيث بيّن أن الإنسان قد يتخلى عن حكمه الواضح، لا لقصور في إدراكه، بل لرغبته العميقة في الانتماء وتجنب العزلة. وهنا تكمن المفارقة: الإنسان يرى الحقيقة، لكنه يساوم عليها، لا لأنه لا يعرفها، بل لأنه لا يريد أن يكون وحده في مواجهتها.
غير أن الخطورة لا تكمن في هذه النزعة الإنسانية الطبيعية، بل في البيئات التي تُحوّلها إلى أداة هيمنة ناعمة؛ حين تتلاقى السلطة مع الإعلام، وحين يُختزل التنوع في صوت واحد، تتحول الجماعة من إطار اجتماعي إلى سلطة خفية تعيد تعريف الواقع، فيصبح الخطأ المشترك حقيقة، ويغدو الاعتراض خروجًا عن الإجماع لا دفاعًا عن الصواب. في مثل هذه البيئات، لا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل: ما الذي يقوله الجميع؟ وهنا تبدأ أزمة الوعي.
في هذا السياق، يمكن قراءة حالة العزلة التي تعيشها بعض المجتمعات، ومنها اليمن، لا بوصفها عزلة جغرافية فحسب، بل عزلة فكرية عميقة؛ حيث تضيق مساحة النقاش، ويُستبعد الرأي المختلف، ويُعاد إنتاج الأفكار ذاتها حتى تتحول إلى يقينيات غير قابلة للمساءلة. تتشظى الجماعة في الواقع، لكنها تتوحد ظاهريًا حول أنماط جاهزة من التفكير، وكأنها تكرر الإجابة ذاتها على سؤال لم يعد أحد يجرؤ على طرحه. وهكذا، يتكرر المشهد: ملف أخضر، وإجماع على أنه أحمر.
وغالبًا ما يُطرح الحل في صورة “القائد المنقذ”، القادر على كسر هذا الجمود وجرّ المجتمع نحو أفق مختلف، كما يُستحضر اسم الرئيس إبراهيم الحمدي بوصفه نموذجًا للقيادة المؤثرة. غير أن التعويل المطلق على الفرد، مهما كان استثنائيًا، يحمل في داخله تناقضًا عميقًا؛ إذ يعيد إنتاج النمط ذاته من الامتثال، حيث تنتقل الطاعة من الجماعة إلى شخص واحد، فيبقى العقل معلقًا خارج دائرة الفعل.
وفي هذا الإطار، يبرز ذلك القول المتداول: “الإنسان هو الحيوان الوحيد الذي يحتاج إلى سيد لكي يعيش”، وهو قول يبدو للوهلة الأولى تفسيرًا للطبيعة البشرية، لكنه في حقيقته يعكس انحرافًا في فهمها؛ فالإنسان لا يحتاج إلى سيد بقدر ما يحتاج إلى نظام عادل، وإلى وعي يمكّنه من إدارة حريته. إن تحويل الحاجة إلى التنظيم إلى حاجة إلى التبعية هو ما يمهّد الطريق للاستبداد، ويجعل من الامتثال فضيلة، ومن التفكير الحر مغامرة غير مأمونة العواقب.
لقد أثبتت تجارب التاريخ أن المجتمعات التي تقدمت لم تفعل ذلك لأنها وجدت قادة أقوى، بل لأنها بنت أنظمة أذكى، توازن بين الحرية والمسؤولية، وتمنح الفرد مساحة ليخطئ ويتعلم دون أن يُقصى أو يُقمع. وهنا يستعيد الفكر الإنساني صوته في دعوة الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي حثّ الإنسان على أن يمتلك الشجاعة لاستخدام عقله بنفسه؛ فجوهر التقدم لا يكمن في الطاعة، بل في القدرة على التفكير المستقل داخل إطار جماعي منظم يحترم هذا الاستقلال.
إن الجماعة ليست عدوًا للفرد، كما أن الفرد ليس نقيضًا للجماعة، بل إن العلاقة بينهما ينبغي أن تكون علاقة تكامل لا صراع؛ تمنح الجماعة للفرد شعور الانتماء، ويمنح الفرد للجماعة القدرة على التجدد. لكن حين تختل هذه المعادلة، يتحول الانتماء إلى تبعية، والتماسك إلى جمود، ويصبح المجتمع عبئًا على أفراده بدل أن يكون حاضنة لهم.
اليمن، كغيره من المجتمعات التي تبحث عن طريقها، لا يحتاج إلى الاختيار بين الفرد والجماعة، بل إلى إعادة صياغة العلاقة بينهما، بحيث يُسمح للفرد أن يقول “أخضر” حين يكون أخضر، حتى لو قال الجميع غير ذلك. ففي تلك اللحظة تحديدًا، يبدأ المجتمع في استعادة صوته الحقيقي، ويتحول من كيان يكرر نفسه إلى كيان يعيد اكتشاف ذاته.
في النهاية، لا تتغير الألوان في الواقع، لكن نظرتنا إليها قد تُشوَّه تحت ضغط الجماعة، والسؤال الذي يبقى مفتوحًا: كم من “الأخضر” في حياتنا اليومية نراه “أحمر” فقط لأن الجميع قالوا ذلك؟ وهل نملك الشجاعة يومًا ما لنقول ما نراه حقًا، لا ما يُطلب منا أن نراه، أم سنظل نبحث عن صوت أعلى نختبئ خلفه، ونمنحه عقولنا مقابل شعور زائف بالأمان؟ لأن الحقيقة التي كثيرًا ما نهرب منها هي أن الحرية ليست مجرد غياب القيود، بل حضور الشجاعة، وأن الإنسان لا يصبح حرًا حين يتبع، بل حين يفكر، حتى لو وقف وحيدًا للحظة في مواجهة الجميع.