العمال في عيدهم يخوضون معارك لقمة العيش
في الأول من مايو من كل عام، يحلّ عيد العمال العالمي بوصفه مناسبة للاحتفاء بالعمل وقيمته، لكنه في واقع الحال يكشف مفارقة قاسية: فبينما يُفترض أن يكون يومًا للتكريم، يتحول إلى مرآة تعكس حجم المعاناة التي يعيشها العمال وهم يخوضون معارك يومية من أجل البقاء. تتكرر الحكاية، لكن بوجوه أكثر إنهاكًا، وظروف أكثر قسوة، حيث لم يعد العمل طريقًا مضمونًا للعيش الكريم، بل ساحة مفتوحة لصراع غير متكافئ على لقمة العيش.
لا يمكن اختزال واقع العمال في كونه أزمة معيشية فحسب؛ بل هو انعكاس مباشر لاختلال موازين القوة داخل المجتمع. فالعمل، في جوهره، ليس علاقة اقتصادية فقط، بل علاقة سياسية أيضًا، تتحدد شروطها وفقًا لطبيعة السلطة، وشكل النظام القائم، ومدى قدرة الفاعلين الاجتماعيين على تنظيم أنفسهم والدفاع عن حقوقهم. وحين تغيب الدولة بوصفها إطارًا جامعًا ومنظمًا، وتحل محلها سلطات متنازعة، ينهار هذا التوازن، ويُترك العامل وحيدًا في مواجهة قوى أكبر منه.
في مدنٍ أثقلتها الأزمات، وقرى تتكئ على ما تبقّى من مواسم شحيحة، يبدأ العامل يومه باكرًا؛ لا بخطة واضحة، بل بأمل العثور على فرصة عابرة. يقف عند مفترقات الطرق، أو ينتظر نداء عملٍ مؤقت، أو يجرّ عربته في أسواقٍ لم تعد كما كانت. وفي أحياءٍ تنطفئ فيها الكهرباء لساعات طويلة، وتُستبدل فيها الخدمات ببدائل مُكلفة، يصبح العمل نفسه مغامرة يومية، تتقاطع فيها الحاجة مع المخاطر.
في هذا السياق، لم يعد العامل يطالب بتحسين شروط العمل فحسب، بل بات يقاتل من أجل الحق في العمل ذاته. فقد أعادت سنوات الصراع تشكيل سوق العمل، فانهارت قطاعات، وانكمشت فرص، واتسعت رقعة الاقتصاد غير المنظم الذي يستوعب الغالبية دون حماية أو ضمان. في هذا الفضاء الهش، لا عقود تصون الحقوق، ولا قوانين تُطبق، ولا مؤسسات تحمي؛ بل جهد يومي يُبذل تحت ضغط الحاجة، مقابل عائد بالكاد يسد الرمق.
ومع التدهور الاقتصادي المستمر، فقدت الأجور—إن وُجدت—قدرتها على تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة. تآكلت القدرة الشرائية، وارتفعت تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة، من كلفة الغذاء إلى المواصلات إلى أبسط الخدمات، ليجد العامل نفسه في حلقة مفرغة: يعمل أكثر ليحصل على أقل، ويكافح يومًا بيوم دون أفق واضح للاستقرار. إنها معركة استنزاف صامتة، لا تتصدر العناوين، لكنها تضرب في عمق الحياة اليومية.
ويزداد المشهد قتامة مع غياب السياسات العامة الفاعلة. فحين تتراجع المؤسسات، وتُهمَّش أدوات التنظيم، وتُقيد النقابات أو تُفرغ من مضمونها، يفقد العمال صوتهم الجماعي، ويتحولون إلى أفراد معزولين في مواجهة واقع قاسٍ. وفي ظل سلطات تتنازع السيطرة دون تحمّل مسؤولية شاملة، تتراجع الأولويات الاجتماعية، ويغدو العامل خارج دائرة الاهتمام.
ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى العمال بوصفهم ضحايا فقط. فقد كانت الطبقة العاملة، عبر التاريخ، قوة دافعة للتغيير، قادرة—عندما تتوافر لها شروط التنظيم والوعي—على إعادة صياغة موازين القوة وفرض حضورها. ومن هنا، فإن هذا اليوم لا ينبغي أن يكون مجرد محطة لاستذكار المعاناة، بل لحظة لطرح الأسئلة الجوهرية: من يحمي العمل؟ من يضمن العدالة؟ ومن يعيد للإنسان قيمة جهده؟
إن إنصاف العمال ليس ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة سياسية واجتماعية. فلا استقرار بلا عدالة، ولا تنمية بلا عمل كريم، ولا مستقبل لمجتمع يُدفع فيه المنتجون إلى الهامش.
تحية للأيادي التي تصنع الحياة في صمت، وتخوض معارك لا تُرى من أجل البقاء؛ لأولئك الذين يقتاتون من يومهم، ويُعلّقون آمالهم على غدٍ مؤجل، لكنهم—رغم كل شيء—يواصلون العمل. هؤلاء ليسوا هامشًا في المعادلة، بل قلبها النابض، وأملها الممكن؛ لأن من يملك القدرة على العمل، يملك—في النهاية—القدرة على التغيير.
