ليلة في عالمٍ بلا سقف
تشردت ليلة واحدة في حياتي، عشتها بين المشردين والهوملس والشحاذين. بعد أن وصلت إلى المحطة الطرقية في آخر الليل، وقد أغلقت أبوابها وتوقفت حركة النقل، كانت ليلة قصيرة، أو نصف ليلة بالتحديد، لكنها كشفت لي عن عالم مواز بسيط ودافئ على نحو غريب، يقف على النقيض من عالمنا المترف الذي نظنه رحيمًا، وهو في كثير من وجوهه قاس ومتوحش.

هناك لم أكن غريبًا كما توقعت، بل كنت موضع ترحيب صامت ولطيف؛ العيون كانت مشرقة ودافئة وحانية. والكل ينظر إليك بلطف ويبتسم، والجميع يقدم ما يستطيع: قطعة خبز، جرعة ماء، كرتونًا يتقى به برد الليل. لم تكن الأشياء ذات قيمة مادية تذكر، لكنها كانت مشبعة بمعنى المشاركة، وكأنهم يرون فيّ شخصًا قادمًا للتو من عالم آخر، ضيفًا عابرًا، أو تائهًا فقد طريقه، أو حتى عضوًا جديدًا في عالمهم الخاص، وجماعتهم التي لا تملك شيئًا لكنها تتقاسم كل شيء.
لأول مرة شعرت أن الابتسامة هناك ليست مجاملة، بل ضرورة إنسانية، وأن القرب ليس تدخلاً، بل محاولة احتواء. اقتربوا مني بحنو صادق، بعطف خال من التكلف، وكأنهم يعوضون بطريقتهم الخاصة ما سلبه منهم العالم خارج حدود ليلهم الطويل.
عالم التشرد ليس مجرد غياب للسكن، وإنما هو واقع آخر صنعه الإنسان بيديه وعقله وجشعه؛ بالإقصاء وبالتفقير، وبذلك التآكل البطيء للرحمة في القلوب. وهذا ما مكّن عالم التشرد، على قسوة العيش فيه، من الاحتفاظ ببذور إنسانية صافية، ربما لأن من خسروا كل شيء لم يعد لديهم ما يخسرونه سوى قدرتهم على أن يكونوا بشرًا.
