الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • قيمة المثقف في استقلاله: الدكتور نجيب الورافي أنموذجًا

قيمة المثقف في استقلاله: الدكتور نجيب الورافي أنموذجًا

حين يتحدث الدكتور نجيب الورافي، أستاذ الأدب المشارك في قسم اللغة العربية بكلية الآداب، جامعة ذمار، لا يستوقفك بمتانة منطقه وجزالة عبارته فحسب، بل يدهشك بعمق رؤيته وفرادة أسلوبه، الذي يكاد يستعصي على التشبيه، وإن أفصح عن تأثره بالفكر النقدي والأدبي لدى حسين مروة. فهي فرادة لا تقوم على صنعة لغوية عابرة، ولا على احتراف مهني مكتسب، بل تتأسس على تراكم معرفي نوعي، تسنده موهبة مائزة، وتغذيه مؤهلات سيكولوجية خاصة وإمكانات شخصية رفيعة. مثل هذه التكوينات لا تنمو في بيئات الكبت، بل تتألق في فضاءات الحرية، وتترسخ في مناخات الاستقلال.

نجيب الورافي
إنه، بهذا المعنى، ليس مجرد أكاديمي متمكن، بل مدرسة قائمة في الأدب الراقي، ونموذج للفكر العميق؛ حرّ في رؤاه، مستقلّ في أطروحاته، منحاز إلى المعرفة بوصفها مسؤولية لا وظيفة. وفي صميم مذهبه الفكري تتجلى مركزية الاستقلال، إذ يرى أن المثقف لا يمكن أن يحوز ثقة الناس ما لم يشعروا أنه يعبر بصدق عما يعتقد، وأنه يمارس حريته الكاملة في صياغة موقفه واختيار عباراته. فالتخلي عن الاستقلال ليس انزلاقًا عارضًا، بل هو سقوط في نفي الذات، وإلغاء للفارق بين المثقف والتاجر الذي يروج لبضاعته، أو الموظف الذي يعبر عن إرادة غيره. فالمثقف، في جوهره، ليس ناقلًا للمعرفة، بل صائغ لها، يعيد إنتاجها وفق بصيرته وخبرته ورؤيته لما هو كائن، وما ينبغي أن يكون.
وحين ينحدر المثقف إلى توظيف قلمه ولسانه في تبرير ممارسات السلطة الحاكمة، أو الارتهان لتعصب حزبي أو أيديولوجي ضيق، فإنه لا يفقد استقلاله فحسب، بل ينقلب من حامل لمشاعل التنوير إلى أداة لتسميم الثقافة وتشويه الوعي العام. إن انخراطه في تزييف الحقائق، أو حراسة خطاب جاهز، يجعله جزءًا من أزمة الوعي، لا رافعة لتجاوزه.
وفي منهجه العلمي، يؤكد أن الفكر المستقل لا يقوم على نزعة تمرد شكلية، ولا على تسجيل مواقف عابرة، بل ينبع من التزام داخلي عميق بالصدق مع النفس والواقع. فالمثقف المستقل لا يعادي دولة بدافع المعارضة، ولا يمدحها بدافع المنفعة، بل ينظر إليها باعتبارها أداة لخدمة العباد والبلاد، ويزن مواقفه بميزان المبدأ لا بميزان المكسب. ولا يؤيد سياسات حزب إلا بقدر توافقها مع قناعاته.
غير أن الواقع يكشف عن نماذج لمثقفين بدأوا حضورهم بوهج وتأثير، حاملين رسالة سامية، وما لبثوا أن فقدوا بريقهم حين استدرجتهم السلطة، أو استهوتهم الحسابات الضيقة. عندها لا يتراجع تأثيرهم فحسب، بل يتخشب خطابهم، وتخبو جذوة أفكارهم، وقد تؤول إلى تصحر ثقافي يعجز عن ملامسة هموم الناس، أو التعبير عن تطلعاتهم؛ ليس لأن السلطة احتوتهم وحسب، بل لأنهم فقدوا شرطهم الجوهري: الاستقلال.
المثقف الحر، كما يتجلى في هذا النموذج، يتقدم حين يتراجع الآخرون، ويتكلم حين يصمتون، حاملًا همّ التنوير، وساعيًا إلى بث الأفكار التي تنهض بالناس وتحميهم من مسارات الهلاك. فأسوأ تجارة أن يبيع المثقف ضميره مقابل عرض زائل، وأسوأ خيانة أن يخون ثقة من رأى فيه صوتًا للحقيقة.
ما أمتع النقاش معه، وما أغنى التثاقف في حضرته؛ إذ يحلق بك في آفاق الأدب، ويغوص بك في أعماق الفكر، فيمنح الحضور طابعًا علميًّا خاصًّا، ويضفي على الحوار نكهة معرفية مميزة. ما أحوجنا إلى أمثال هذه القامات، وما أجدر مؤسساتنا العلمية باحتضانها والاستفادة من عطائها.