الخميس 30 أبريل 2026

ولدت بين رايتين وقذيفتين

ولدت بين رايتين
راية تشبه قلبي حبن ينسى حدوده
وراية تشبه ساطور التاريخ
كلاهما يلوح لي
تعال
لكن الطريق مسيج بالأسلاك والاثنين
وولدت بين قذيفتين
واحدة أيقظت أسماء الموتى في فمي
وأخرى
أطفأت قنديل أمي على نافذتها
ثم مر الليل من فوقنا
محمولًا على ظهر دبابة
كأنه نص ناقص
يبحث عن ضميره

وولدت بين نكبتين
إحداهما علمتني كيف أكتب بالرماد
والأخرى
علمتني أن الوطن
ليس خريطة تطوى
بل جرح يتوارثه الأبناء
كأنهم يحفظون نشيدًا
من هواء
ومن دم
قلت
من أنا في هذا الزحام
قالت جدتي
أنت حكاية الذين تفرقوا
كي يظلوا معًا
وقالت الأرض
اكتبني
فربما تصير الكلمات
ممرًا يعود منه الغياب

كبرت
ولم يكبر البيت معي
فالجدران ظلت خيامًا من الغبار
والنوافذ كانت تطل
على زمن يجر قيوده مثل كلب ضال
سألت أبي
إلى أين يذهب الطريق إذا انتهى الوطن
فقال
إلى الطريق نفسه
نمشي كي لا نموت
ونكتب كي لا يمحى اسمنا من الهواء

وكان البحر قريبًا
يلوح بالموج مثل يد لا تجد صاحبها
ويهمس
إن استطعت أن تصل
فلا تنسَ أن تعود
وإن لم تصل
فلا تجعل الغرق نشيدًا جديدًا
في الليل
تعد أمي أسماء الغياب
واحدًا واحدًا
تصنع من الدعاء خبزًا
وتخبئه تحت الوسادة
عله يصبح صباحًا
أو على الأقل
يصبح حلمًا أقل مرارة
وأنا
كنت أحسب أن أكون شاعرًا
كي لا أكون رقمًا
أضع قلبي على الورق
فترتجف الورقة
كأنها تعرف
أن الدم لا يمسح بسهولة
قال لي صديقي الذي عاد في نعش
لا ترفع صوتك على الموت
ارفع صوتك للحياة
والحياة
كانت تمشي حافية فوق شظاياها
وتضحك
كأنها تداري وجعًا
لا تريد لأحد أن يراه

ومن بعيد
كانت مدينة تتلو صلاة مكسورة
وتتعلق بسماء منخفضة
كأنها تحاول
أن تقنع الغيم
بأن يصبح وطنًا

خرجت
لا سماء تحملني
ولا أرض تعترف بخطواتي
كنت أجر حقيبة
أخف من قلبي
وأثقل من التاريخ

على الحدود
يقيسون الإنسان بختم
ويقول الحارس ببرود
اسم آخر
بلد آخر
انتظر دورك
في غرفة بلا وقت
هنا جلس
اللاجئون ككواكب بعيدة
لكل واحد مداره من الحكايات
هذا فقد بيته
وذاك فقد لهجته
وثالث فقد وجهه
من شدة الانتظار
كنت أكتب أسماء المدن
على كفي
فتمحوها العرق
كأن الوطن لا يريد
أن يختصر في يد واحدة

وفي الليل الغريب
سمعت البلاد القديمة
تفتح خزائن الذاكرة
رائحة الخبز
ظل زيتونة خارج الزمن
ضحكة طفل
تسبق الرصاصة بثانية واحدة
وتنجو
قلت لنفسي
إذا ضاق الطريق
صر أنت الطريق
وإذا ضاعت الرايات
صر أنت معنى الراية
لا لونها
وعندما سألتني الغربة
من أنت؟
قلت
أنا ابن ما لم يحدث بعد
وأخ ما حدث أكثر مما يجب
أنا المسافر الذي يعرف
أن الوصول
ليس مكانًا
بل لحظة تصدق فيها قلبك
ولو مرة
ثم أحببت
لا لأن الحب خلاص
بل لأن القلب
لا يحتمل الحرب وحده
علمتني امرأة
كيف يزهر الكلام
في فم أحرق مرارًا
وقالت
ضع رأسك على كتفي
ولنؤجل الأخبار قليلًا
فالنجاة أحيانًا
هي لحظة نسيان

وحين أغلقت الأبواب
وبقي الهواء وحده يطرق على صدري
اكتشفت
أن اللغة تشبه نافذة
تطل على ما لا يرى
وأن القصيدة
يمكن أن تصير سلمًا
ينجو به القلب
من سقوط جديد

كتبت
ليس لي في الأرض بيت
فصارت الجملة سقفًا
وصار الحبر حائطًا
يتسع لكل الذين
لم يجدوا مكانًا على الخرائط
وطن بعيد
كان التاريخ يكتبنا على عجل
ثم يمحو نصف الكلام
كأنه يخاف
أن يعرف الناس الحقيقة كاملة
قلت له
مهلًا
دعنا نكتب نحن روايتنا
فقد تعبنا
من أن نكون هوامش في كتاب الآخرين
وعاد الماضي يسألني
هل مازلت تتذكرني
قلت
أتذكرك
كما يتذكر الجرح
شكل السكين
لكنني لا أقدس الألم
أنا أعلمه أن يمشي
جنب الحياة
لا فوقها

ورأيت الأطفال
يركضون خلف كرة من غبار
يضحكون
كأن الغد موجود فعلًا
ولو في لعبة
فهمست
ربما النحاة
ليست في انتصار كبير
بل في أن نزرع شجرة
ونتركها تنمو
حتى لو لم نجلس في ظلها
وعادت أمي في الحلم
قالت
لا تحمل وطنك كحجر
احمله كخبز
قابلًا للقسمة
دافئًا
ومفعمًا بالمشاركة
ثم صحوت
والصوت نفسه ظل يقول
إن لم يكن لنا مكان
فليكن لنا معنى
وإن خسرنا الطريق
فلنصنع طريقًا
لا يبنى على العظام
وإذا قتلتمونا
عدنا في الأغاني
فلا تراهنوا
على الذاكرة القصيرة

قصروا السماء
فسقطت نحوم كثيرة
ولم تسقط الفكرة
اخترقت البيوت
لكن امرأة في الركن
ظلت تغلي ماء للشاي
كأنها تقول
لن نسلم الحياة
كل شيء دفعة واحدة

رأيت الجنود
يتقدمون بخط مستقيم
ورأيت الناس
يتقدمون بالقلوب
متعثرين
لكنهم يمشون
فهمت
القوة ليست في السلاح
بل في أن تواصل المشي
حين لا طريق

وقفت أمام المرآة
سألتها
من أنت الآن؟
قالت
أنا ما تبقى منك
وما تريد أن تصير
فاختر
بين ظل طويل لخراب قديم
أو ضوء صغير
يتسع ببطء

كتبت بيانًا
لم تقرأه الجرائد
أيها البشر
دعوا الأرض لأرضها
ودعوا الأسماء لأصحابها
فالعالم أضيق
من أن يحتمل
مزاح البنادق

وفي المساء الأخير
جلست مع أصدقائي الذين بقوا
تقاسمنا خوفنا
كما نتقاسم الخبز
ثم ضحكنا
لا لأن الأمور بخير
بل لأن الضحك
سلاح آخر
في وجه الليل

وقلت
يا وطنًا يسير معي
ولا أصل إليه
سأحملك في اللغة
وأترك باب القصيدة مفتوحًا
فربما يدخل الغد
من بين السطور

الآن بعد رحيل طويل
ومواعيد لم تكتمل
أقف عند حافة الكلام
أفتش في جيبي
فأجد عمري
مجموعة خرائط ممزقة
وقصيدة
مازالت تحاول أن تتنفس
أقول لنفسي
ولدت بين رايتين
فلم أعد أنتمي
إلا لمعنى العدالة
ولدت بين قذيفتين
فصرت أعرف
أن الحياة
أقوى من الضجيج الذي يقتلها

جاؤوا
بخوذ لامعة
ووجوه بلا أسماء
قالوا
هذا المكان لنا
وأنتم ضيوف الخراب
أجبتهم
نحن أبناء التراب
إذا نفيتمونا
عدنا في القمح
وإذا قتلتمونا
عدنا في الأغاني
فلا تراهنوا
على الذاكرة القصيرة

قصروا السماء
فسقطت نحوم كثيرة
ولم تسقط الفكرة

ولدت بين نكبتين
لكنني تعلمت
أن الكارثة
لا تسكننا
إلا إذا فتحنا لها القلب
أسلم الماضي سلامًا باردًا
وأضعه على الرف
ثم أفتح النافذة
ها هو الفجر
يتدرب على الضوء

لا أعد أحدًا بالانتصار
ولا أبارك الهزيمة
أقول
فقط
سنمشي
ولو بطيئًا
حتى يتعلم الطريق
أسماءنا من جديد
وإذا سألني الغد
من أنت؟
سأقول
أنا ابن الحكاية التي نجت
لا لأنها أقوى
بل لأنها
رفضت أن تتوقف
ثم أضع الكلمة الأخيرة
برفق شديد كمن يضع طفلًا في مهده

السلام
على الذين
يصنعون من الرماد
خبزًا
ومن الخسارة
أملًا يتنفس

ولدت بين نكبتين
وكان الضوء مرتبكًا
كعصفور يقيس طريقه
بين فم الفخ
وما تبقى من سماء
أبي علمني أن الخرائط مثل المراثي
كلما اتسعت ضاقت قلوبنا
وأمي خبأت تحت وسادتها
مفتاح بيت
لا يعود
لكنه لا يرحل
كبرت
وخلف كل باب
ألف نكسة
تستعير أسماءنا
وتعلق صورنا
على جدار الهزيمة

نصف عمري
في انتظار لم يأتِ
ونصفه الآخر
في الوداع
وأنا
كالماء
أبحث عن شق صغير
أدخل منه إلى الحياة
أغني بين قذيفتين
كي لا أموت صامتًا
وكي لا تموت اللغة
قبل أن أقول
هذا التراب لنا
وما على الأفق
من غيم
ليس عابرًا
في الليل
أتصفح أسماء المدن
أعيد ترتيب الكواكب
كما أشتهي
وأضع فلسطين
في منتصف السماء
كي لا يضيع الطريق

أسأل التاريخ
من الذي كتب علينا
أن نجرب الخذلان
مرة بعد مرة
ثم ننهض
كما تنهض أشجار الزيتون
من تحت الملح
تقول لروحي
لسنا ضحايا فقط
نحن رواة النجاة
نحمل على أكتافنا
جسور الغد
ولو اهتزت
وأمشي
لا سيف في يدي
إلا القصيدة
ولا نصر لي
إلا أن أبقى
وأبقي
على الحلم

بين نكبتين
ولدت
كأن الريح وصية الأرض
وكأن التاريخ
ينحت في ظهري وصايا الأجداد
قيل لي هذا الطريق لنا
لكن الحواجز
كانت تعرف أسمائي أكثر مني
ألف نكسة
كل صباح
أعد الخسائر مثل خرز السبحة
مدينة سقطت
وصديق
تعلم كيف ينسى
وعلم
يتدلى فوق مبنى بلا قلوب
وأتعلم
أن الهزيمة لا تورث
لكنها تسكن

ألف خيبة
يا قلبي
كم مرة جربت الطريق ذاته
وأنت تعرف
أن الجدار ينتظرك في النهاية
نحلم
ثم نصحو
على بيان يغير اسم البلاد
ولا يغير الجراح
أغني بين قذيفتين
أرفع صوتي
كي لا يعلو الدخان وحده
أغني للذين
عادوا إلى التراب
ولم يعودوا إلى البيوت
أغني لكيلا أختفي
الصوت
آخر ما تبقى من الوطن
أمي
تضع خبزها في التنور
كما تضع قلبها في النار
وتقول
سترجع
ثم تصمت
لأن الكلام هنا
يحتاج إذن مرور
طفل يرسم بيتًا بلا باب
وسماء بلا طائرات
ويقول ببساطة
هنا سنسكن
وأنا أتعلم من الطفولة
كريمة أخرى للحياة
من كتب هذا القدر
من قال إن الأرض
لا تفتح إلا بالجرح
نحن
لا نريد المعجزات
نريد فقط
عدالة تمشي على قدمين
سأبقى
ولو ضاق الطريق
ولو كثرت النكبات
سأحمل القصيدة
كما يحمل الفلاح المطر
وأقول
مادام في اللغة مكان
فللوطن فرصة أخرى

ولدت بين نكبتين
وفي دمي تاريخ بيت ضاع
ثم ضاع
ولم يعد
ورائي ألف نكسة
أتعثر باسمها كلما حاولت
أن أمشي إلى غدي
وأمامي
ألف خيبة
تلمع كالوعود على الشاشات
ثم تطفئ ضوءها
وتتركني وحيدًا
وفوقي
ألف خيمة
تطوى وتنصب مثل قلب
لا يعرف أين يكون وطنه
وحولي
ألف منفى
كل طريق يقول لي
امضِ
لكن لا تعد
وأنا أغني بين قذيفتين
كي لا أموت صامتًا
وكي تظل القصيدة
بابًا
لا يغلق

ولدت بين نكبتين
وكانت السماء ضيقة
والأرض تحت أقدامنا تهتز كخوف قديم
في وجهي رائحة الطين والحرب
وفي يدي خبز لم يخبز بعد
وأصوات الأمهات تعلمني الكلام الأول عن الغياب
ورائي ألف نكسة
تتناثر في ذاكرة العائلة كالأوراق اليابسة
أسماؤها قرية شارع سوق كلها اختفت
وأمامي ألف خيبة
تبتسم في وجوهنا على الشاشات
لكنها تسحبنا إلى أسفل
تعلمنا أن ننام على الأسى
ونستيقظ على الأسى ذاته
وفوقي ألف خيمة
كل واحدة تسكنها قصة
كل واحدة تحكي عن حلم لم يكتمل
عن طفل ينام على الأرض
وعن امرأة تنتظر رجلًا لم يعد
وحولي ألف منفى
في كل شارع في كل مطر في كل نافذة
أجد نفسي غريبًا عن بيتي
حتى عن اسمي

وأنا أغني بين قذيفتين
أحاول أن أحفظ الكلمات قبل أن يسرقها الدخان
أريد على الجدران صورًا لا تموت
وأردد في صمت
هذه الأرض لنا ولو لم يكن لنا مكان عليها

ألف نكسة ورائي
كل واحدة تحمل اسمًا
مدينة قرية شارعًا
تختفي بين الأصوات
وكأن الأرض نفسها تتآكل من الذاكرة
أتذكر أبي
يحمل صورة البيت القديم
ويهمس هنا كنا
وعيناه تمتلئان بحزن لا يرحم
أرى الجدار أمامي
يلتهم الأسماء كما تلتهم النار الأشجار
وأنا أكتب على الرمل
علَّ الكلمات تبقى
حتى لو لم يبقَ شيء آخر

ألف نكسة
تعلمنا أن نسير على الركام
أن نعرف الطريق بلا بوصلة
وأن نحلم بلا غد
كل صباح
تفتح الأخبار فمها
وتعلن سقوطًا جديدًا
وأنا أسمع صدى الخسائر
في صمت طويل
كما يسمع النهر صدى الحجر
لكني أعلم
حتى النكسة التي تلتهمنا
لا تستطيع أن تسرق كل شيء
فما بقي لنا
هو الكلام
والصوت
والحلم
وفي كل مرة أركع فيها عند أطلال القرية
أجد نفسي أغني
حتى لا تسحب اللغة مني
حتى يظل للقصيدة مكان بين الخراب

ألف خيبة أمامي
تجلس على الوجوه مثل الضباب
تلتهم الكلمات قبل أن تنطق
وتجعل من الوعد مجرد سراب
كل وعد نطق به أصبح ورقة يابسة
تهتز في الريح
كل وعد ضاع بين الأصوات
وأنا أعد الخيبات مثل الحجارة على الطريق
وأرسم من بينها جسرًا صغيرًا
لا يمكن من العبور
ألف خيبة
تأتي من حيث لم تتوقع
في السياسة في العهد في التاريخ
وفي الجيران الذين باعوا ذاكرتهم
لكي يعيشوا اليوم بلا ألم
وأنا أكتب أن الخيبة
ليست نهاية العالم
بل جزء مما نحن عليه
من صلابتنا
من صمودنا الصامت بين الأنقاض
أمامي الأطفال
يتساءلون لماذا نعود لنفس الطريق
أخبرهم لأننا نتعلم
من ألف خيبة أن نحلم بطريقة أخرى
نحلم بصوت يظل حيًا
حتى لو مات كل شيء آخر
في الليل
أجلس بين أطلال البيوت
أهمس في الريح
لن تمنعنا الخيبات من الكلام
ولا من أن نحمل على أكتافنا الحلم
حتى لو انهارت كل الأوهام
وأنا أغني بين قذيفتين
لأثبت أن اللغة أقوى من الخيانة
وأن القلب مهما انهزم
يستطيع أن يقاوم
يستطيع أن يبني جسور العودة
فوق الأرض
ألف خيمة ترفرف كأعلام صامتة
كل واحدة تحكي قصة لم تكتب
كل واحدة تؤوي طفلًا
يبحث عن ابتسامة ضائعة
ألف خيمة
مبنية من قماش من حديد من صبر
تحتها نساء يغزلن الصمت
ورجال يزرعون الأمل في الصباح
مع أن الغيم لا يرحم المطر أبدًا
في المخيم
الطرق كلها متشابهة
والأبواب بلا مفاتيح
والأسماء تتغير كما تتغير الريح
لكن القلب يبقى
بحمل ذاكرة الأرض
حتى لو سرقها المنفى
ألف خيمة
هي وطن صغير
حيث يتعلم الأطفال كيف يضحكون
حتى لو كان الضحك على حافة الحزن
أصواتهم تملأ الفراغ
وتغني للأرض قبل أن تغني لهم
وفي الليل
تتداخل رائحة الخبز مع دخان النار
وأنا أغني بين قذيفتين
أحفظ الكلمات كما تحفظ الأم طفلها
كي لا تموت الحكاية
كي لا يغلق الأمل أبوابه
ألف خيمة
كل واحدة شاهدة على صمودنا
على أننا باقون
حتى لو ظن العالم أننا تلاشينا
حتى لو ظنوا أن الحلم انتهى
ألف منفى
يحيطني من كل جانب
كل طريق يقول لي امضِ
لكن لا تعد
أقف على الحدود
ألمس الأرض كما لو كانت آخر ما تبقى
وأحمل حقيبتي المليئة بالذكريات
وأحلم بغد لم يعرف اسمي بعد
في الشتات
كل نافذة تشبه وجهًا ضائعًا
كل شارع يذكرني بما كان
وكل مطر يعيدني إلى بيت
إلى بيت لم يعد موجودًا
ألف منفى
أتعلم فيه كيف أكون غريبًا في كل مكان
وكيف أبحث عن وطن داخل نفسي
عن بيت أستطيع أن أسميه ملكي
حتى لو كان مجرد كلمة على ورقة
لكنني لا أستسلم
أحمل على أكتافي الحكاية
واللغة
والأمل
وأغني بين قذيفتين
لأثبت أن الإنسان يستطيع أن يعيش
حتى في قلب المنفى
ألف منفى
لكن كل خطوة فيه
تعلمنا كيف نعود إلى أنفسنا
وكيف نصنع وطنًا من الكلام
حتى لو لم نجد الأرض
ولدت بين نكبتين
ورائي ألف نكسة
وأمامي ألف خيبة
وحولي ألف منفى
أمشي وعلى جسدي التاريخ
أحمل على ظهري دم الأبديين
أشم رائحة الغياب في عروق الحجر
وأسمع صدى الصراخ في عروق الريح
أبني كلماتي من رماد
أزرع صمتي على جدران الليل
أشعل الشموع في عيون الغائبين
وأطعم الأحلام للموتى قبل الأحياء
أنا ابن الخراب
لكن عروقي نهر من صرخة
في قلبي ألف شمس تتناوب
وفي يدي ألف خيمة
وعلى شفتي ألف وعد بلا صوت

الريح تعرف اسمي
والغربة تعرف خطواتي
والأرض التي رحلت مني
تتسلل في أحلامي
تعيد لي وجوهًا لن أراها
سأظل أحفر الكلمات في الصخر
أرسم الوطن على ركام الخراب
أجعل من كل نكبة ألف أغنية
ومن كل خيبة ألف شعلة
حتى إذا عدت أعود بلا عودة
وأحمل في عيني ألف وطن
أمشي بلا ظل
أحلم بلا وطن
أحمل على كتفي ألف جرح
وفي صدري ألف سؤال بلا جواب
الخيمة فوق رأسي تتحدث بلغة الريح
والسماء تهبط كصخرة على عيني
والأرض تتشقق تحت أقدامي
لكن يدي تزرع الأمل
كما يزرع الفلاح الغيم في الحقول
أنا ابن النكبات
ابن المنفى
ابن الخراب والغياب
لكن في قلبي ألف زهرة
تشق طريقها في الظلام
الصمت أصدق صديق لي
والدمعة أعظم سلاح
والكلمة التي لا تسمعها
أكبر وطن يمكن أن أحمله
في الليل أرى آلاف الجدران
تحمل وجهي الممزق
وفي النهار أرى آلاف العيون
تبحث عني في الخيام
سأزرع الكلمات على رمال الهزيمة
وأجعلها نهرًا يفيض على الحجارة
أعيد إلى الضائعين ضوءًا
وأهدي الحالمين صرخة
أنا صوت الوطن الميت والحي
أنا صدى الخراب والأمل
أنا الذي يحمل ألف منفى
ويحلم بألف خيمة

حتى لو غطتني خيام المنفى
حتى لو غطى الظلام ألف مرة
ستبقى الكلمة تشق الطريق
وتعيد لي ألف وطن لم يولد بعد
وأنا أسير بلا أقدام
أحمل ألف جرح ألف حلم
أعيد ترتيب الخراب في عيني
وأجعل من كل خيبة نكبة
ومن كل نكبة ألف أغنية
في يدي ألف خيمة
على كتفي ألف جبل
وفي قلبي ألف زهرة لم تذبل
تتمرد على الخراب على الغياب على الزمن
أنا ابن النكبات ابن الخيام
ابن الصمت الممزق
لكن في صدري ألف شمس ألف نهر ألف حلم

ولدت بين نكبتين
ورائي ألف نكسة
أمامي ألف خيبة
فوقي ألف خيمة
وحولي ألف خيمة
وأرضي مقسمة على أربعة قرون
وسمائي مسروقة ألف مرة
وصوتي مكتوم منذ ألف عام
أنا الذي لم يولد بعد
لكنني أتحرك في جسد التاريخ
أشم رائحة الحجارة المنسية
وأرقب الشمس وهي تسرق مني الحق
والبحر يرفض أن يذكر اسمي
نحن هنا
أولاد الخراب
أحفاد المنفى
نحمل مفاتيح المدن المدمرة
ونعيد العد ألف جدار
ألف حصن
ألف خيانة
ألف خيمة أحرقت
ألف باب أغلق
ألف شارع اختفى من الرماد
ألف حجر صار شاهدًا على الغياب
ونحن نحسب ألف صمت ألف دمعة ألف وعد مكسور
ألف رحلة بلا عودة
ألف جسد لم يدفن
ألف اسم يصرخ في الريح
ونحن نكتب
ألف يوم حربًا
ألف ليلة حصارًا
ألف مرة خيانة
ألف مرة مقاومة
ألف مرة صمودًا
ألف مرة نكسة
ألف مرة خيبة
ألف مرة منفى
وفي النهاية ألف جدار سقط
ألف باب فتح
ألف نهر وجد طريقه
ألف اسم عاد