الخميس 30 أبريل 2026

مقهى لعيون أمي Larsie Mae

يحتضن ممر "لودفيغ"، بدارمشتات -ألمانيا، مقهى صغيرًا في الظاهر، وهو كبير بالحب والموسيقى، ومن يطأ هذا المكان -حتى العابرون- من المشاة، لا بد أن يهتز جسده ويتمايل طربًا، منجذبًا إلى مساحة الحب الموشى بالموسيقى والغناء والتلقائية الطبيعية للمكان والإنسان.

مقهى لعيون أمي
إنه مقهى لاريسا ماي -البيت- لا يشعرك أنك غريب، يحتويك، كأن روح الأم لاريسا ترفرف في تفاصيله عابرة القارات تحيي الجميع وتحتضنهم، ولا تنسى أن تنثر قبلاتها عليهم.
يدير المقهى بشغف ومرح مايسترو البهجة الفنان جيمي ويلسون؛ الابن القادم من ولاية ديترويت بأمريكا. بخفة ينثر إيقاعاته بين الزبائن: يغني ويصفق ويرقص، على أنغام الجاز ومايكل جاكسون، فيردد معه الزبائن ويصفقون بإيقاع يشيع البهجة والسعادة في أرجاء الممر، وعلى وجوه المارة والبيوت ونوافذها وأصص الزهور والفضاء بكله.

جيمي ويلسون
جيمي بالمناسبة فنان ومؤلف أغانٍ وممثل مسرحي ومنتج. أخبرنا بافتخار بأنه سمى المقهى باسم أمه، وأنه الابن الثالث عشر من إخوته، وكان أصغرهم. كان المقهى بمثابة هدية لها في عمرها التسعين، وكان ذلك في 2021.
ومن خلال القراءات، يقول جيمي في إحدى المقابلات، بأن 2020 الذي تزامن مع جائحة كورونا، كان نقطة تحول. فبعد أن توقفت اشتغالاته بالفن، أتته فكرة عمل مقهى يحمل اسم أمه؛ عرفانًا بكل ما قدمته مسيرتها، من حب وحنان معنى العائلة. واختار صورة أمه عند تخرجها من الجامعة عام 1950، في أوج اضطرام التمييز العنصري في أمريكا، لتكون عنوان وواجهة المكان -المقهى.
من أجمل ما قاله في تلك المقابلة القصيرة، عن أمه: "أمي ليست مشهورة، لكني أراها كذلك"!
وأنت تدلف إلى المقهى، يذكرك ببيت العائلة الحميمي، بألوان تفوح بالحياة ورائحة القهوة وخبز الكعك الطازج والوجوه الأنيسة، بمن فيهم القائمون على المقهى، يشاركون الشغف نفسه والابتسامة، يتناوبون على خدمة رواد المقهى، بل وعلى التتمات الموسيقية وترديد النغمات بخفة أرواحهم الجميلة، التي تجعل الجميع محلقًا وسعيدًا.

جانب من  المقهى
ولا ينسى جيمى، وهو يدندن بين الزبائن، أن يحيي العابرين الذين يلقون نظرة على هذا الثراء الإنساني الحافل بموسيقى الفرح.
في ركن صغير من المقهى، يعلق بعض الصور لبعض الفنانين الذين عمل معهم..
كيف يحسسك المقهى بأنك في بيتك، أن تطلب احتياجاتك، وعند الانتهاء تعيد الأواني، بل وأن ترتب الطاولة، وتعطف اللحافات الصغيرة. هذه التفاصيل الصغيرة تحمل معنى: الألفة.
مقهى لاريسا علم ثقافي في دارمشتات، حيث يشارك جيمي في الفعاليات الفنية، منها كرنفال "هاينر فيست" الذي يعد أحد أهم المعالم الثقافية لدارمشتات. إذ يتحول الممر إلى مسرح من غناء ورقص، إنه ممر البهجة والسعادة.
وأنت تطلب الكعكة بالقرفة، يقول لك جيمي: أنا من خبزتها. أمي علمتني صناعتها. تتذوقها مع كوب القهوة أو الأعشاب، فلا تريد أن تغادر المكان.. لتظل صورة المكان وانبعاث الأنغام والأحاديث ووجوه الناس المبتهجة، ملازمة ليومك، تنبثق ذكرياتك لوجه أمك وهي تلقمك الخبز، وتهدهدك بموسيقى من رائحة الجنة، ولا تجيدها سوى الأمهات..
تذكرت صوت محمود درويش يناجي أمه:
أحن الى خبز أمي
وقهوة أمي
وتكبر في الطفولة يومًا على صدر أمي..
سلامًا، لاريسا.
سلامًا... يا أمنا.