هل يقود نفوذ الإصلاح الشرعية إلى مأزق العزلة والتصنيف؟
يعاني مجلس القيادة الرئاسي في اليمن من حالة ضعف بنيوي عميق، جعل حضوره السياسي باهتًا وعاجزًا عن إدارة الأزمات المتلاحقة أو التعبير عن إرادة وطنية جامعة. وبدلًا من أن يكون أداة لتصحيح مسار الشرعية، بدا وكأنه أسير مراكز نفوذ متصارعة تتحكم بقراره وتوجهاته. وفي مقدمة ذلك هيمنة قوى الإخوان المسلمين، ممثلة بحزب الإصلاح، على مفاصل مؤثرة داخل ما يسمى الشرعية، بما أفقدها معناها الوطني، وحولها إلى ساحة صراع مصالح ومشاريع خاصة.
ولم يتوقف الضعف عند حدود الانقسام الداخلي، بل ظهر في انشغال كثير من مكونات المجلس بقضايا الفساد والمحاصصة وتقاسم الوظائف والمناصب السياسية والعسكرية والدبلوماسية، بعيدًا عن هموم الناس ومعاناة المجتمع. وفي وقت تنهار فيه الخدمات وتتآكل مؤسسات الدولة، تبدو القيادة غارقة في إعادة توزيع النفوذ، وكأن معركة البقاء في المواقع أهم من معركة إنقاذ الوطن واستعادة الدولة.
ومن أخطر الدلالات على تهميش هذا المجلس أن المملكة العربية السعودية نفسها تجاوزت الشرعية، وبدأت الدخول في محادثات أمنية وعسكرية مباشرة مع الحوثيين، وهو تطور يكشف تراجع مكانة المجلس وتآكل دوره السياسي؛ إذ كيف يمكن لكيان يفترض أنه يمثل الشرعية أن يتم تجاوزه في ملفات الحرب والسلم، بينما تدار التفاهمات المصيرية خارج إطاره ومن دون حضوره الفاعل؟
ويزداد هذا المأزق تعقيدًا مع المتغيرات الإقليمية والدولية المتصلة بجماعة الإخوان المسلمين، واحتمالات اتساع الدعوات لتصنيفها منظمة إرهابية في بعض الدول، وهو احتمال إن تحقق فسيضع الشرعية في مأزق سياسي وقانوني عميق، ما دام حزب الإصلاح مستمرًا في الهيمنة على القرار داخلها؛ إذ قد تتحول هذه الهيمنة من عنصر نفوذ داخلي إلى عبء استراتيجي يهدد ما تبقى من شرعية هذا الكيان وعلاقاته الإقليمية والدولية.
إن مأساة مجلس القيادة لا تكمن فقط في ضعفه وابتعاده عن الهم الوطني، بل أيضًا في تجاهله لهذه التحولات الخطيرة، فيما ينشغل بالصراعات والوظائف والمحاصصة. وبينما يعاد رسم توازنات المنطقة وتتشكل تفاهمات كبرى حول اليمن، يبقى هذا المجلس غارقًا في التردد والصمت، وكأن البلاد تدار من خارجه لا من خلاله، وهو ما يجعل أزمة المجلس اليوم أزمة وجود وشرعية، وليست مجرد أزمة أداء سياسي.
