صنعاء 19C امطار خفيفة

"الوطن المُعلب": حكاية بلد يرتديه الصغار ليبيعوه للعابرين

طفلٌ يبيعُ "وطني" بقارورة ماء… هذا مشهدٌ اختزلته شوارع صنعاء لأحد الأطفال الباعة المتجولين، الذي انبرى يشقُّ عُباب السيل والزحام في وقت اشتداد هطول الأمطار، ليبيع الماء لركاب الحافلات والسيارات المارة في "الجولات". ورغم هطيم المطر والسيول الجارفة، كان يرتدي ملابس رثّة كُتب عليها بخط عريض: "وطني".
طفل يبيع الماء تحت المطر ـ منصات

ورغم أن "وطني" ليس سوى الاسم التجاري لشركة مياه محلية، فإن المفارقة في الصورة كانت أبلغ من مجرد علامة تجارية؛ فالماء في كفّه، والمصطلح على ظهره—فكأنه يحمل بلاده على كتفيه حملاً—والحالة المزرية التي تلبّسته تعكس حقيقة موجعة: أنه يبيع الوطن فعلياً بقارورة ماء، تحت سماء هطّالة وأرض مشبعة بالسيول.
إن هذا الصغير لا يبيع ماءً فحسب، بل يقطر عرقاً وكرامة من مسام ثيابه المبللة؛ هو وجه اليمن الذي تقاذفته أمواج العوز، واعتصرته يد الفاقة حتى لم يتبقَّ منه سوى هيكل يبحث عن النجاة. في عينيه تلمح "تغريبة" يمنية طويلة، وفي نحول جسده ترتسم خارطة بلد يغرق في لُجّة النسيان.
إنه يقف هناك، حيث تتماهى الحدود بين مياه السماء ودموع الكبرياء، ليخبرنا بصمت صارخ أن الوطن الذي كان ملاذاً صار قميصاً إعلانياً يُباع باسمه في أرصفة الشتات. إنها مأساة شعب حاصرته الحروب حتى صار حلم أطفاله لا يتعدى "شربة ماء" أو "كسرة خبز" تُنتزع من فك القدر المستعصي. هذا الطفل هو "الوطن" الذي ضاقت به الأرض بما رحبت، فلم يجد مكاناً يحميه من بأس الظروف سوى "يافطة" مهترئة تُعلن للعالم أن أغلى ما نملك… قد يُباع بأرخص الأثمان حين يجوع الإنسان.

الكلمات الدلالية