شعورٌ بارد..
ما الذي يجعل المشاعر الإنسانية تضمر وتفقد حرارتها وانفعالاتها؟ أهو التكرار الممل للمشهد الماثل؟ أهو الجفاف المرتكز في بعض النفوس؟ أهو اللامبالاة وضعف مراكز الإحساس، وعدم الاكتراث؟ أهو الجمود والانطواء، والانزواء، والمرض الشخصي الخارج عن الإرادة؟ أم هي النرجسية المتعالية والتي تمجد الذات، ولا تنفعل لحالات الغير، ولا تبدي أي اهتمام بالآخر؟
الإنسان بمشاعره..
إذ من المعلوم أن الإنسان، بطبيعته، يتميز عن الحيوانات والجمادات بمشاعره الفياضة، وبحواسه وأحاسيسه المرهفة، وعواطفه الجياشة، وتفاعله مع المحيط والبيئة، فيتفاعل، وينفعل، ويؤثر ويتأثر، ومن خلال إدراكه وأحاسيسه ومشاعره، فإن افتقد أيًا منها سلبت منه إحدى أهم خصاله البشرية، ومميزاته الإنسانية، ما يصمه، بعد ذلك، بانعدام العاطفة، وبالفجاجة، وربما القساوة، فيخرج عن سياق حسن التعامل إلى مكان آخر يجعله أقرب إلى الجمادات أو إلى الكائنات المتوحشة.
ولعل مشاهد وحالات إنسانية كثيرة، ومواقف عديدة، وقضايا ماسة، تستدعي مثل هذا التفاعل، والحضور للشعور الإيجابي المشترك، واستدرار حقيقة المشاعر الدافئة، وإبداء صدق الأحاسيس تجاه الآخر، بخاصة في ما يتعلق بالعلاقات المتبادلة بين الناس، أفرادًا وجماعات، فالإنسان، بطبيعته، كائن حي يعيش حياته، ويقضي عمره، ويمارس شؤونه، ويؤدي دوره على علاقات متواشجة مع أسرته وبيئته، ومجتمعه، مؤثرًا ومتأثرًا، وهي علاقات تقتضيها طبيعة الحياة، وسبل العيش المشترك.
مشتركات إنسانية
ولا تقتصر العلاقات الوشيجة بين الأفراد والجماعات، بل تتعداها إلى الهيئات والمنظمات الدولية، وإلى مختلف الدول والأمم و الأنظمة العالمية، والتي تفرد للعلاقات المتبادلة مكانة خاصة ومرموقة، بما يكتنفها من مشاعر حميمية، توثق الصلة، وتمتن روابط الصداقة، وتجسر الهوة، وتقرب المسافات، وتذكي روح التفاهم والانسجام، كما تقوي وسائل التعاون لما من شأنه المحافظة على تطوير وترسيخ وازدهار المشترك الإنساني.
عدا ذلك، فإن غياب، أو اضمحلال أو خمود الأحاسيس، والتغاضي والإعراض، وإبداء الشعور البارد من قبل الأفراد أو الجماعات، من شأنه أن يورث المشاحنات، ويوهن الصلات، ويمزق روابط الإخاء والصداقات والعلاقات الودية بين الأسر والمجتمعات على حد سواء.