الخميس 30 أبريل 2026
  • الرئيسية
  • عبدالرحمن منيف وروايته «مُدُن المِلْح»(1-3)

عبدالرحمن منيف وروايته «مُدُن المِلْح»(1-3)

عبدالرحمن منيف وروايته «مُدُن المِلْح»(1-3)

الساردون العرب كثيرون، وقليل منهم من درس البيئة العربية والواقع. وعبدالرحمن منيف في الصدارة. فهو، كما قال الناقد الكبير جبرا إبراهيم جبرا عنه، وعن الرواية؛ في رسالة وجهها لعبدالرحمن منيف نشر في غلاف «التيه»: «لا أظن أن كاتبا عربيا -روائيا أو غير روائي- كتب في الماضي شيئا يقارب ما كتبت في هذه الرواية». ورأى فيها نفسا ملحميا لم يعرف مثله في أي عمل روائي عربي.


وقرأ فيها الناقد المبدع الدكتور فيصل دراج نصا مؤسسا يقرأ الزمن العربي في القرن العشرين، ويقرأ فيه مصائر المجتمعات العربية المختلفة(1). في قراءة أخيرة للرواية تتبعت الأسماء الواردة في الجزء الأول من الرواية «التيه». فالرواية خمسة أجزاء: «التيه»، «الأخدود»، «تقاسيم الليل والنهار»، «المنبت»، «بادية الظلمات». كما تتبعت أسماء الأماكن: القرى، والمدن، والمناطق، والوديان، وأسماء الأشخاص. فالأماكن متخيلة ومستعارة؛ وهي -على كثرتها- مستعارة من المناطق العربية، وسأقوم بنشرها في النهاية.
تبدأ الرواية من «وادي العيون». ووادي العيون واحة في الصحراء؛ يقطنها بدو آتون من بيئة الصحراء، يستقبلون القوافل الآتية؛ مقبلة وذاهبة من مختلف المناطق. يتأنق السارد في وصف مائها العذب، وهوائها النقي، وسهلها الساحر. ويستغرب كيف انشقت الصحراء القاسية العنيدة عن هذه الواحة الخصبة والفاتنة، أو كأنها هبطت من السماء، مزدانه بالأثل والنخيل، ومحفوفة بناسها الطيبين.

يَسردُ مُطولاً جَمالَ بيئة الوادي، وَقِيم أهله وَكَرمِهِم، وَحُسنَ تعاملهم مع القوافل الوافدة والذَّاهِبة، ويذكر منابتهم، والصَّحرَاء القاسية التي أنجبتهم، وَطَرائقَ مَأكلهم ومشربهم، وَعَاداتهم وتقاليدهم؛ مُشيدًا بأمانتهم، وصدقهم، وَحُبِّهم للضيف، ودفاعهم عن الحق والكرامة، ومداومتهم على التَّمْر وَالَّلبَن يَتركُ آثَارًا على جُسومِهم. فهم لا يأكلون اللحم إلا نَادرًا، كما أنَّهم مشغولون بِحُبِّ الهجرة.
البطل «مُتعِبْ الهَذَّال»، و«جازي الهذال» قَادَا  المقاومة ضد الأتراك. ووَاصلَ مُتعِب المواجهة ضد الأمريكان المستعمرين الباحثين عن النفط، والمهددين لقيم وعادات وتقاليد «وادي العُيون».
البطل الأسطوري مُتعِب الهذَّال المتحدر من الصحراء القاسية يَجِد نفسه في مواجهة مع بِعثة الباحثين عن النفط، تَحتَ سِتَار البحث عن الماء.
يَنشرونَ الموت في كُلِّ مكان. يَقتلعونَ الأشجار، وَيَهدِمون الأحياء الفقيرة، وَيُشرِّدُونَ الحيوانات، وَيُغَيِّرونَ كُلَّ معالم الحياة في البيئة البدائية البدوية والنَّقيَّة.
يُحدِّد مسَاحة الوادي بثلاثة أميال أو تزيد قَليلاً؛ تتناثر فيه أشجار النخيل، والأثل، وَالسِّدر، والشِّيح القصيرة المُستَدقَّة كوصفه.
كَمَا يَرسمُ حُدودَ الصَّحراء وأسماءها. فطبيعة الصحراء تجعل للأسماء أهمية تَفوقُ غيرها، وتخلقها الطبيعة ذَاتها.
يعيش منيف حالة أهل الوادي في السَّراء والضَّرَّاء. ففي أزمنة الخير، يزدهر الكَرَم، والاندفاع للعمل والتعاون والتواصل والبناء، وفي أزمنة القَحط يعتصمون بالصبر، ويندفع الشَّباب للهجرة.
يَمقتونَ المُسَاومَة في البيع والشراء، ويقولون: «هَؤلاء التُّجَّار شياطين في ثياب بشر؛ لأنهم لا يعرفون الحلال، ولا يخافون من الحرام».
فإذا تصدى مَنْ يقول: «إنَّ التِّجَارة تعتمد على المساومة، وعلى المفاوضة، ثُمَّ الرِّضَا في النهاية. وأنَّ مَالَ التِّجَارة حَلال مِثلَ مَطَر السَّماء»= يَنظرُ إليه أهل الوادي بِنوعٍ مِنْ الشَّفقَة المَمزوجَة بِالسُّخريَّة، وَيَقُولونَ فِي أنفسهم، وله: «كيف يَتَساوى من يعمل طِوَال العام؛ لِكي يَكسب رِزقَه بمن يريح أكثر المال في لحظة»(2).
يقرأ الفَقرَ في عشيرة «العَتُوم» بوادي العيون بِشَكلٍ خَاصّ، وَ في وادي العيون عُمُومًا.
يتتبع احتفالات «الهَذَّال» يميلاد أولاده واحتفالات الوادي معه؛ بإطلاق الرَّصَاص. ويَرَى أنَّ الحياة مَهمَا قَسَتْ عليهم، لا يمكن أن تطحنهم...، وأنَّهُم إذا أحبوا أعطوا كُلَّ شَيء(3).
«مُتعِب الهَذَّال» وابنه «جازي» انزرعوا في هذا المكان كأشجار النَّخِيل.
الجُزء الأول مِنْ الرِّوَاية سَردٌ مُترابِط متشابك متكامل في 582 صفحة. يستخدم السَّارِد صفحاتٍ بيضاء أو نِقَاط سوداء كفواصل وعلامات؛ للانتقال مِنْ فَصلٍ لآخر، أو موضوع لآخر.
تُصيبُ الدَّهشَة مُتعِب عندما يقول له ابنه: «عِندَ ابن الراشد ضُيوف غرباء..». قال بِصوتٍ حادٍ وعصبي.
«مِنْ الفِرنج، ويتكلمون بالعربي..». رَفَعَ أبوه بعينين مُتسائِلتين..
«ثلاثة أجانب، ومعهم اثنان من عَرَب الزُّور، وَيَتكلمونَ العربيَّة. يتكلمون بطريقة مختلفة عن طريقتنا؛ بطريقة مضحكة، ولكن يمكن أن تفهم ما يقولون»(4).
تغيَّرَ وَجهُ أبيه، وَتِلكُم كانت البداية. بدأ الحوار بينَ «فَوَّاز» وأبيه الذي بدا التَّغيُّر عليه. وَفَوَّاز هو الابن الأكبر لِمُتعِب بعد أن فَقَدَ بِكرَه.
يسأل الأب: «وَعَرفت مِنِينْ هُمْ؟ وِيشْ يِريدونْ؟».
«الناس حَول المضيف».. يَقصُد مضيف ابن الراشد- المَسئُول الأول. «يقولون: إنَّهُم نَصَاري، وَالنَّاس يَقُولون: إنَّهم جَاؤوا للبحث عن الماء».
وبدأ التنقيب عن النفط باسم البحث عن الماء؛ وهو ما شَكَّكَ فيه «مُتعِب الهذَّال»، ورَوَّجَ له ابن الراشد- صَاحِب الضِّيَافة، وَتَابعهُ كَثيرونَ من أهل الوادي.
يتكلم الهَّذَال مع ابنه فوَّاز: «أكيد هؤلاء لم يأتوا من أجل الماء. إنَّهُم يُريدون شَيئًا آخر. وأية أشياء  في هذه الفلاة غَيرَ الجُوع، وَالرَّمل، وَالحُجَّاج؟»(5).
وَيَومًا عن يَوم، وَسَاعَة بعد سَاعَة يَزدادُ تَشاؤم مُتعِب الهَذَّال، وتزداد شُكُوكَه، وَيُحُسُّ أن أمرًا خَطِيرًا يِوشكُ أن يَقعَ؛ وإن كَانَ لا يدري ما هُوَ، ولا متى سيقع؟!
وابن الراشد بَدَا مُختلفًا بعد وُصُول الجماعة، وفي مواجهة مُتعِب وشخصيات الوادي، مع جماعة البحث عن الماء.
كَانَ ابن الراشد يَصطَفُّ معهم، ويوافق على كُلِّ مَا يقولونه؛ بِحجَّةِ أنَّهم ضُيوف!
صَرَخَ في وجهه مُتعِب: «اسمع يا ابن الراشد نَأكل التراب، ونقدم للضيوف أولادنا، لكن لا نرضى أن نهُزَّ رؤوسنا مثل العبيد لكل كلمة يقولونها»(6).
بَعدَ سَبعةَ عَشرَ يَومًا رَحَلَ الأمريكيِّون، ومعهم الدليلان.. كَانَ رحيلهم إلى الدَّاخل، وَلَيسَ مِنْ حيث أتوا.
أمَّا مُتعِبْ الهَذَّال فَلَم يقتنع بهذا الرحيل؛ وَإنَّمَا اعتبره دَليلاً على الشؤم.. قال في مضافة ابن الراشد في ذات الليلة التي رحلوا فيها، وَأمامَ عدد مِنْ رجال وادي العيون: «الجَمَاعة عندهم سَالفَة، وَالماء حُجَّة» (7).
يَسرُد مُنيف حَالة الوادي عند هطول الأمطار، وأثرها الكبير على الحياة، وَيَتحدث عن حالات الجَدْبِ في الوادي وَقَسوتهِ ودَفعهِ الشباب إلى الهجرة بَحثًا عن الرِّزق.
تأخذ هِجرةُ الشَّباب «الحَوشَ»، وَيَظهر أثر هِجرتهِ على أمِّه. يَرمِز السَّارِد بـ «الحَوشْ»: الشَّاب الفتي الأشجع وَالعَدَّاء، والذي يُردِّد أهل الوادي قِصَصًا عن خوارقه وَمَهاراته وقدراته، ثُمَّ غِيابهُ الذي لا يعرف عنه أحَدٌ شَيئًا.
وَتَكونُ أمُّهُ الصُّورَة الشعبية لأهل الوادي في انتظار مَا يأتي من تَرَدُّد الثلاثة الأمريكان البَاحثين عن الماء.
تتساءل أمُّ الحوش عن سِرِّ مجيئهم؟ وهل أتوا لِيُصَالِحُوا على دمه؟ وهل يبدو أنَّ هؤلاء الشياطين هم الذين قتلوه، أو يعرفون مَنْ قَتَلَه؟
كَانُوا يدفعون الِّليرات الرَّشَاديَّة والإنجليزية ثَمنًا لِقِطَع صَغيرة من القُمَاش، وبعض الصَّنَادِيق المَصنُوعة مِنْ سَعْفِ النَّخِيل!
«هَلْ هُمْ مَجَانين؛ ليدفعوا كُلَّ هَذهِ الفُلوس لو لم يكونوا قد قتلوه؟» (8).
وعندما يعود الأمريكان الثلاثة تُرابِط أمُّ الحوش أمام مَضَافَة ابن الراشد؛ تراقبهم بقلق وحذر.. وذات مرة صَرَخَت في وجه ابن الراشد: «سَيُحرَق هذا الوادي، وَأنتَ أصل البلاء!» (9).
يَهتمُّ أهل الوادي بزراعة بستانها الذي أهملته؛ لانشغالها بغيبة ابنها الوحيد (حوش). فهي في شُغلٍ شَاغِل للسؤال عن «حَوش» القوافل الآتية.
وَيَكونُ مُتعِب الهَذَّال هو الأكثر اهتِمامًا بها وَحِمَايةً لها؛ وَهُو مَنْ يُعيدُ إليها توازنها؛ بِقَبولها مَا يقول.
يَعودُ الأمريكي الذي سَمَّى نَفسَهُ عبد الله إلى الوادي؛ وَيُلقِّبهُ مُتعِب الهذَّال «النَّحسْ»؛ بَينَمَا أهلُ الوادي يَدعونَهُ «الغُرَاب».
عَادَ، وَمَعه أربعة، وعدد من رِجَال الأمير، وعدد كبير من الأجانب ذوو أشكال مختلفة: الأشقر، والأحمر، والأسود، ومعهم أشياء لا تُحصَى مِنْ الصناديق والأحمال، وَنَصَبوا الخِيَام.
قال أهل الوادي: «كَانَ الهَذَّال على حق!».
بَدأَ بِنَصْبِ الخِيَام، وَوَضعِ الأسلاك، وبدأ هَدير الآلات التي أتوا بها، وأضواء تخطف الأبصار.
قال مُتعِب الهَذَّال الذي كان يقف غير بَعيدٍ عن المكان بِصوتٍ قوي؛ ليتغلب على الخوف، وعلى صوت الآلة: «ارجعوا يا أهل وادي العيون.. إذا لم تَرجِعُوا؛ حَرَّقتكُمْ النَّار، وما بقيَ منكم أثر!» (10).
رَحَلَ مُتعِب بَعيدًا. وعند عودته كَانَ أشدَّ يَأسًا وَوَعيًا..
«يَقُولونَ: يوم القيامة.. اليَومَ هو يَومُ القِيامة!».
«يقولون: إذا مشى الحديد على الحديد.. اليومَ رَأيتُ الحَديدَ يمشي على الحديد».
ويخاطب زوجته: «كَانَ علينا أن نعمل شَيئًا يَا وَضحَة.. منذ جاؤوا أول مرة، عَرفتُ أنهم سيرجعون، وَأنَّهُم سَيفعلونَ أشياءَ لا يُفَكِّر بها إنسٌ، أو جَانّ!!» (11).
يُصَوِّر مُنِيف حَالةَ التَّردُّد والارتباك، وحتى العجز على مَسلَك البطل الشَّعبِي مُتعِب، وحالة العِنَاد والبلاهَة.
وَيَصبُّ جَامَ غضبه على ابن الراشد، وَيُصَوِّر حال الحِيرةَ وَالارتباكَ وَالخوفَ؛ بل وعدم الإدراك لحقيقة مَا يَجري.
يَتَّجِه الغَضَب ضِدَّ ابن الراشد- صاحب المَضَافة الذي لا حَولَ، ولا طَولَ له، وَيَتفنَّن أهلُ الوادي في إلقاء الألقاب على الأمريكان والآتين معهم..
يقول السَّارِد: «وَإذَا كَانت العَامَّة في وادي العيون تُطِلق الصِّفَات على الكثيرين؛ فإنها تأتي بالمُعَايَشَة الطَّويلَة، وبعض الأحيان دُونَ أن يقصد إليها أحد أو يتعمدها.
فقد كان إطلاق الصِّفَات أمرًا ضَروريًا؛ لمواجهة الحالة الجديدة، وَتَمييز هذه المخلوقات التي بَدَت في الأيام الأولى شَديدةَ الشَّبَه؛ حتى لَيَصعُب التفريق بين وَاحدٍ وَآخر، إلا أنَّ المُراقَبَة المُستمرَّة والتدقيق الذي لا يتوقف ولا يتعب بهؤلاء وتصرفاتهم؛ جعلت إطلاق الأسماء والصفات أمرًا في غاية اليسر.
فَالغُراب، أو ابن الملعونة هو الاسم الذي يَسقُط على ذاك الذي جاء أوَّلَ مَرَّة؛ والذي تَسَمَّى فيما بعد باسم عبد الله.
أمَّا الآخرون، فالأكحل، وَالبطِين، والجربوع، والأفصع، والمغزل، والدجاجة، وأبو الحصين..، وغير ذلك من الأسماء» (12).
وَالنَّبز بالألقاب سِمَةٌ عَربيَّة قَديمة ومتوارثة، وَغَالبًا لِلتنقِيص وَالذمِّ، وَنَادرًا لصعوبة نُطْق الاسم بالنسبة لِهَؤلاء الأجانب.
يحتفي السَّارد كثيرًا بِتبدُّل طِباع البَدو وأهل الوادي بحالات الرَّخَاء وَالجَدب. فَهُم في الجَدب أكثر قَساوة وَشَراسَة، وَتُفارِقُهُم الرَّغبة في الحَديث.
فَكَّرَ بعض المسنين في تقديم شكوى للأمير البعيدِ عَنهم؛ بسببِ مَا تُسَبِّبُهُ الآلات الضَّاجَّة مِنْ تَنفِير لِلحَلال بهديرهَا المتواصل، واختيار ابن الراشد- صَديق الأمير بِالحديث، بَدَلاً من مُتعِب المُتَعَصِّب وَالشَتَّام.
قَالَ ابن الراشد لأهل الوادي: «سَتكونون أغنى الناس وأسعدهم.. والخير إذا عَمَّ عَمَّ». وَيُهيئ نفسه لمخاطبة الأمير: «يَا طَويل العمر المال مَا هُوْ كُلّ شَيء.. قبل المال: العرض، الأخلاق، العادات».
ضِحْكَة الأمير قَطَعتْ متابعة ابن الراشد: «يَا طَويل العمر، العين غير الأذن، والتجربة غير السَّالفة».
ويتابع: «أنتَ تعرف يَا بنَ الراشد أنَّنا أكثر الناس حِرصًا على الأخلاق، وإذا أردتَ الدِّين؛ فالدين عندنا ما هُوْ عِند غيرنا..
مَا أريده منكم أن تُقدِّمُوا للجماعة كُلَّ المساعدة؛ لأنهم جاؤوا مِن تلفات الدنيا؛ ليساعدونا».
قال مُتعِب الهَذَّال: بعصبية: «الله يخزيهم! ما نريدهم، ولا نريد مساعدتهم».
رَدَّ الأمير بسخرية: «ولكن حِنَّا نريد مساعدتهم. وأنت إذا كنت لا تريد؛ فأرض الله واسعة..».
رَدَّ ابن الراشد: «ولكن ماذا يريدون يا طويل العمر؟».
قال الأمير: «هم ما يريدون أي شيء.. حِنَّا طلبناهم، وجاؤوا لمساعدتنا..».
«وأية مساعدة يا طويل العمر؟».. هكذا -ببراءة- سَألَ ابن الراشد؛ فأجابه الأمير:
«تحت أرجلنا يا بن الراشد بِحَار من النَّفط.. بِحَار من الذَّهَب.. وَالخَوَيَا جاؤوا ليخرجوا النفط والذهب..» (13).
وعندما قال الأمير: «إنَّ صاحب الجلالة عندما انتزع هذه الأرض بِحَدِّ السيف، وَحَاربَ الأعداء وَالكُفَّار، كَانَ يعرف من أجل أيِّ شَيءٍ يحارب..».
= رَدَّ عليه مُتعِب الهَذَّال ببرود وَتَحدٍّ: «حِنَّا اللي حاربنا.. بسيوفنا أخذنا هذي الأرض: شِبرًا وراء شِبر».
تَضَايقَ الأمير مِن هذا التعريض، وبتلك اللهجة.. فَقالَ مُتجاهِلاً كَلامَ مُتعِب الهَذَّال: «بَعدَمَا مَنَّ الله علينا بالنعمة لازم نشكره، لا أن نَخلُقَ المَشَاكِل، ونقول: «فلاني»، و«تركاني»..». وَتَغيَّرَت لَهجتهُ مُثنيًا على أهل الوادي، وَدَاعيًا لمساعدة الأصدقاء.
قَالَ مُتعِب: «والله يا طويل العمر قبل ما تجي هذه العفاريت كَانت حالة أهل الوادي على أحسن حَال، ولكن من يوم ما حلوا بهذه الدوة أشُوفْ الدُّنيَا مِثل بول البعير.. كُلّ يوم إلى الوراء..».
رَدَّ الأمير بِحِدَّة: «اسمع يَا بن هَذَّال؛ وهذا الكلام لَك ولغيرك، والحاضر يبلغ الغائب: أيّ واحد يخلق مشاكل مَاله عندنا إلا دواء واحد: هذا..». وأشار إلى سيف كَانَ مُعلَّقًا على الجدار.. «ما قولك يا بن هَذَّال؟».
ضَحِكَ مُتعِب الهَذَّاَل ضِحْكَةً صَغيرة، وَكَانَ يُريد من خلالها أن يَستمدَّ قُوةً إضافية تَرقُد في أعماقه..
رَانَ صَمتٌ ثقيل على الغرفة.. سأل الأمير بعصبية: «هَا.. ما تقول يا بن هَذَّال؟ أنتم الحكومة.. عندكم العسكر والسلاح، واللي تريدونه يصير. ويجوز بَاكِر، بعد ما يطلع لكم النصارى الذهب من تحت القاع، تصيرون أقوى..».
«لكن أعلم يا طويل العمر، إنَّ الأمريكان ما يعملون شِي لِلَّه».
قَاطَعهُ الأمير بِحدَّة: «اتركنا من هذا الكلام، وَأجِبْ على سؤالي. فهمت ما قلته لك، أم لا؟».
رَدّ أبو مُتعِب الهذَّال بِحِدَّة: «اسمع يَا بو رضوان، أنا شيبة؛ بعمر والدك، وصوتك لا تتركه يفلت، وما بيننا أصغَر حتى تسمعه، وإذا أردت تَحمِّر عينك؛ فما كُلَّ النَّاس تَخَاف العينَ الحَمَرا.. وحِنَّا جِينا نقول لك ما شافته عيوننا»(14).
نَقَلتُ الحِوار بين ابن الراشد والأمير، وَمُتعِب كَاملاً؛ لأنه الأرضية الأساس التي تَطوَّرَت بعدها أحداث «المَلحَمة الشَّعبيَّة»، وعملية التنقيب عن الذهب (البترول).
انتهت المقابلة مع الأمير بالقبول برأي الأمير، وظَلَّ مُتعِب وَحدَهُ في مُواجهة مَعَ الأمير.
دَعَاهُم الأمير للعشاء، فخرج مُتعِب وَحدَهُ مُتَّجِهًا إلى الوادي، ورَافِضًا تَرجِّى أصحابُهُ أن يَبقَى.
بِعَودة مُتعِب وَحدَهُ إلى الوادي، عَرَفَ أهل الوادي أنَّ الأمور لَيستْ بخير.
أصِيبَ مُتعِب بِحُمَّى قَاتلة؛ سَمَّتهَا وَضْحَة «حُمَّى أولاد الحَرَام»: الثلاثة الأمريكان. وَحَصلَ ما يشبه التوافق على تغييبه، واعتباره مَيِّتًا أو غير مَوجُود.
يُقدِّم السَّارد وَصْفًا لحالة الذُّهول والاندهاش التي أصابت أهل الوادي، مع بداية تحرك الآلات والمكنات، وَالسَّيارَات.
صَاحَ مُتعِب بَعدَ الغِيابَ: «وَصَلتْ العفاريت، ولازم نضربها.. وإذا بَقِينَا مثل الخشب، رَاح تأكُلنا، ومَا تَخلِّي بنا أثر».
وَاعتُبِرَت نِهاية مرحلة.. وَصَاحَ مُتِعب: «حَسَافَا حَسَسافَا يَا وادي العين! هَجمتْ التركتورات مِثلَ الذِّئاب الجَائعة؛ لتطيح بالأشجار والمباني الضعيفة، وَبِكُّلِّ شَيء في الوادي».
بَكَى مُتعِب كَطِفل، وَبَدأ يبتعد، حتى يَتلاشَى وَاختَفَى..

----------------------------------

(1) الرواية وتأويل التاريخ، فيصل دراج، ص 249.
(2)مدن الملح: التيه، عبد الرحمن منيف، ص 13 و14.
(3)المصدر نفسه، ص 16.
(4)_____، ص 30 و31.
(5)_____، ص 33.
(6)_____، ص 36 و37.
(7)_____، ص 46.
(8)_____، ص 63 و64.
(9)_____، ص 62.
(10)____، ص 70.
(11)_____، ص 72.
(12)_____، ص 81.
(13)_____، ص 85 و86 و87 بتصرف.
(14)_____، ص 87 و88.