صنعاء 19C امطار خفيفة

الضرب في الميت

يُقال – والقول صحيح جدًا – إن الضرب في الميت حرام. والمقصود بالميت من مات، وتولاه الله إلى جواره، حاملًا بين جنباته كتاب أعماله: حسناتٍ وسيئاتٍ. وربك رب العدل، ميزانه غير مختل، وكفى بالله عدلًا. وجزاء الإحسان إحسان، أما السيئات فربك بعباده رؤوف رحيم.


ولنا في ذلك حكمة؛ أن نترحم على موتانا، فنذكر حسناتهم وما قدموا، ولا نخوض في سيئاتهم التي صاحبت رحلة من ماتوا، نفعًا أو ضررًا للناس.
هنا نأتي إلى القول الذي اخترناه عنوانًا: الضرب في الميت حلال، ونقصد به "الحي الميت" سلوكًا وخلقًا؛ من يضر حياة الآخرين. هم أحياء بين خلق الله، لكنهم – بميزان العقل الراجح – أموات؛ شبعوا موتًا، ووجودهم على قيد الحياة فيه ضرر بالغ، بل كارثة تتسبب بكوارث تصيب الناس في أرجاء البلاد.
نقصد بالموتى الأحياء من باتوا في غفلة الزمن، أو لنقل إن أفعالهم تسببت في احتجاز العقل والقانون والنظام. بل إنهم تطاولوا، وألغوا عناوين دولة كان ينبغي أن يسود قانونها على الجميع، فأصبحوا هم الدولة، يتصدرون مؤسساتها وآليات تطبيق العدل والنظام.
اتخذوا عشوائية الاصطفاء منهجًا لإلغاء مفهوم المواطنة المتساوية، وأحالوا مفهوم الدولة إلى مجرد هلوسة، مونولوج على مسرح حياة الناس، تُغتال فيه كرامات العامة عبر تمييزٍ فجّ، تعلو فيه قامات ومقامات ذوي القربى والوجاهات، وغيرها من تسميات "بئر السلم" التي يتقن "الحي الميت" تلميعها وتزييف إمكاناتها العلمية وخبراتها الصفرية.
وكل ذلك لا يخلو من كواليس خدمات وتنازلات ومصاهرات؛ للأمير، أو الزعيم، أو شيخ القبيلة، أو صلةٍ ما بقائد فيلقٍ عُسكِر بديلًا عن جيش الوطن والدولة.
نماذج كثيرة تعيش غصبًا عن أكبر كبير، وغصبًا عن ملايين المواطنين الذين باتوا مجرد إضافات، يتفضل عليهم ذو الشأن بربع راتب أو نصفه كل ستة أشهر. فجلهم أصبحوا من حاملي لقب "الزنابيل"، الحاملين شارة المرور إلى مستنقع الدونية، التي تحيل الإنسان إلى مجرد رقم يُستدعى عند الضرورة ليموت دفاعًا عن وطن مفقود، يتربع على كراسيه جملة من الأحياء الأموات، ذوي ألقاب براقة: زعيم، رئيس، وزير، سفير… إلى ما شاء الله.
فيا ليت شعري، كيف أكتب قصائدي في بلاد أحياؤها موتى، وموتاها من يعيشون على رمق شعبٍ عليه يكذبون، وباسمه يتحاربون، وعلى مصالحهم يتقاتلون؟
مراحل مرت، تلو مراحل، بذات النغمة، ذات الكذبة، والأموات الأحياء يتناسلون. لعبة الكراسي وتدويرها، ومن عليها يلعبون، يطلون بين الفينة والأخرى، يوجهون من علٍ كلامًا مبهَمًا يتفلسفون به.
يكذبون، وكأنهم يصنعون مهرجانات التغيير إلى الأفضل، لكن الرياح عواصف تأتي بالأسوأ؛ فما يأتي على الأرض أسوأ مما كان، حتى جعل الناس يترحمون على ماضٍ أليم، لأن بديله أسوأ.
إن تغيّر العناوين والوجوه لا شيء، والخطب الرنانة جوفاء، خاوية المضمون. فلا مؤشرات على الأرض تقول إن دولة قد استعيدت وبدأت تمارس دورها، ولا مفاعيل تحرك اقتصادًا مصابًا بأنيميا حادة، ولا قوة تسند قوانين تُنفذ عبر مؤسسات قوية موحدة القرار.
لا شيء غير أوهام كغمام؛ حين تنقشع، لا مطر ينزل، ولا دولة تعود.
دولة تعود إلى الأرض، من مهجرها، قوية، موحدة القرار، عبر مؤسسات فاعلة ذات سلطات نافذة. فما على الأرض اليوم إلا تضارب سلطات بين من كان ومن ينبغي أن يكون، تعبيرًا عن دولة موحدة بمعناها المتعارف عليه:
أرض…
وشعب…
ونظام.
إن انتفى ذلك، فنحن نعيش داخل كانتونات الفوضى، حيث تفرض عناصرها قوتها على سيادة الدولة ومؤسساتها وقوانينها النافذة.
ستظل أصوات الناس، وسيظل العقل الجمعي للوطن، مطالبين بالبحث عن مخرج من حالة السيولة التي تجرف وتمزق وتشتت الوطن إلى مربعات وكانتونات متناحرة.
وعلى المنصة، من يديرون اللعبة ليسوا أحياءً، بل أموات لا تجوز عليهم الرحمة، ولو أتوا بكل شفيع.
أما الشعب الصابر المعاني، فيعرف متى يرحم، وعلى من يصب جام غضبه ولعناته. وتاريخ الشعوب التي خرجت عن خوفها خير دليل.
فهل يتعظ الأحياء الأموات… الذين لا تجوز عليهم الرحمة؟

الكلمات الدلالية