زمن الاستنزاف الطويل مرحلة ما بعد الحرب الأولى
تغير موازين القوى اليوم لا يعكس فقط تصعيدًا عسكريًا عابرًا، بل يكشف عن مرحلة انتقالية ثقيلة يعاد فيها تشكيل النظام الدولي تحت ضغط متناقض بين الديمقراطيات والأنماط السلطوية العقائدية، كما هو واضح أن العالم لا يتجه نحو حسم سريع، بل نحو إعادة توزيع بطيء جدًا للقوة، عنوانها الأساسي الاقتصاد، لا الجبهات.
وفي هذا السياق، يبرز ضغط دولي متزايد من الدول الديمقراطية التي باتت، رغم تناقضاتها، ترفض فكرة فرض نموذج واحد على الشعوب. هذا الرفض لا يأتي بدافع أخلاقي بحت، بل نتيجة إدراك متزايد أن تحويل العالم إلى نسخة مكررة تحت قيادة نزعة سلطوية كما يعكسها خطاب دونالد ترامب، لا يؤدي إلى استقرار، بل إلى انفجارات متتالية في بنية النظام العالمي نفسه.
المرحلة الحالية تبدو مؤقتة، مهما بدت صاخبة. وبشكل مباشر تنصب فيها كل التناقضات وعدم تقبل الآخر في الشرق الأوسط، فالتغير في موازين القوى لا يُحسم عسكريًا، بل يتشكل عبر أدوات اقتصادية معقدة؛ مثل العقوبات، الطاقة، سلاسل الإمداد، التكنولوجيا، والاقتصاد الموازي، وحتى مجال الرياضة والقوى الناعمة.
وهذا التحول بحد ذاته يحمل جانبًا إيجابيًا مستقلًا، لأنه يفتح المجال أمام تعددية حقيقية، حيث لا يمكن إخضاع الشعوب تحت لون سياسي أو أيديولوجي واحد، ولا احتكار اقتصادي واحد، مهما كانت قوة من يحاول فرضه.
لكن هذه التعددية لا تعني الاستقرار، بل تعني صراعًا أكثر تعقيدًا، وهنا يظهر دخول روسيا كعامل حاسم في إعادة التوازن. فموسكو لا تتحرك فقط من باب المواجهة، بل من موقع إعادة التموضع، محاولة فرض نفسها كقطب لا يمكن تجاوزه في أية تسوية قادمة، خصوصًا في ظل محاولات تطويقها اقتصاديًا وسياسيًا.
وسط هذا المشهد، تتضح أكثر ملامح الأهداف الميدانية التي حاولت بعض الأطراف بالدخول مرحلة الحرب على طريق مفتوحًا بلا اتجاه، بل تركز بشكل واضح على لبنان، وتحديدًا الجنوب، حيث يجري العمل على فرض منطقة عازلة كأمر واقع. هذه المنطقة لا تُطرح كحل مؤقت، بل كإعادة صياغة دائمة لقواعد الاشتباك، تضمن تقييد أي تهديد مباشر، وتمنح تفوقًا استراتيجيًا في أية مفاوضات لاحقة.
المفارقة أن هذا الهدف يتقاطع مع رفض دولي واسع لتوسيع الحرب، فالجميع يدفع نحو التهدئة، لكن على قاعدة تثبيت مكاسب ميدانية أولًا، بمعنى أن أي وقف إطلاق النار، حين يأتي، لن يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة جديدة تُبنى على ما تم فرضه بالقوة من قبل الطرفين.
وفي زاوية أكثر هشاشة من هذا المشهد، يقف اليمن كحالة مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيدًا، بالذات جماعة الحوثي التي لم تعد تتعامل مع نفسها كفاعل محلي محصور وغير مرغوب به مجتمعيًا، بل تسعى تدريجيًا لفرض حضورها ضمن المعادلة الإقليمية الأوسع. هذا الطموح لا يأتي فقط من القوة العسكرية، بل من محاولة استثمار موقع اليمن الجغرافي في قلب ممرات التجارة الدولية، وتحويله إلى ورقة ضغط في توازنات البحر الأحمر وما بعده.
لكن إدماج الحوثيين في معادلات القوة لا يعني بالضرورة اقتراب الاستقرار، بل قد يفتح الباب أمام مزيد من التعقيد. فبدل أن يكون ذلك مدخلًا لإنهاء الصراع، قد يتحول إلى تكريس نموذج "الفاعل المسلح" الذي يفرض نفسه بالقوة، ثم ينتزع اعترافًا سياسيًا لاحقًا. وعند هذه النقطة، لا يعود اليمن مجرد ملف مؤجل، بل يصبح اختبارًا حقيقيًا لشكل الدولة في المرحلة المقبلة.
وفي ظل تعنّت الحوثيين ورفضهم التخلي عن سلاحهم، رغم التفاهمات غير المعلنة مع الولايات المتحدة بشأن تأمين الملاحة في باب المندب، فإن ملامح الدولة المستقبلية ستظل رهينة توازنات القوة الدولية أكثر من كونها نتاجًا لإرادة وطنية خالصة. إذ يتحول الموقع الجيوسياسي لليمن إلى ورقة تفاوض بيد الفاعلين الخارجيين، وعلى رأسهم واشنطن، التي تنظر إلى استقرار الممرات البحرية كأولوية تتجاوز شكل الدولة نفسها.
وهذا ما يعيد طرح ضرورة العودة إلى خارطة طريق واضحة، تنطلق من توافق وطني ينسجم مع أطراف الشرعية، ويؤسس لبيئة آمنة للشعب اليمني، بعيدًا عن اختزال الدولة في وظيفة أمن الممرات البحرية أو إخضاعها لمعادلات الخارج.
في المحصلة، ما يجري ليس نهاية حرب، بل نهاية مرحلة منها، وستعلن قريبًا الهدنة إذا لم يتم الدخول بريًا إلى إيران، فالكلفة كبيرة، والهدف هو إعادة ترتيب بين الطرفين. هذه المرحلة هي مرحلة سقطت فيها أوهام الحسم السريع، وبرزت فيها حقيقة أكثر قسوة، وهي أن العالم لا يُدار بالقوة وحدها، ولا يُحسم إلا عبر توازنات طويلة... يدفع ثمنها الجميع أو الشعوب.