الأوقاف في اليمن.. بين الرسالة الدينية وواقع الحال
تعد الأوقاف في اليمن واحدة من أبرز الظواهر التاريخية الإسلامية التي تجاوزت بعدها التعبدي الضيق، لتغدو ركيزة اقتصادية واجتماعية وثقافية أساسية في بنية المجتمع منذ فجر الإسلام.
فهي لم تكن مجرد صدقات جارية أو أعمال بر فردية، بل تحولت، عبر التراكم، إلى مؤسسة متكاملة ذات نظام خاص، وأدوات فاعلة في تحقيق التكافل الاجتماعي، وتعزيز الاستقرار الاقتصادي، وخدمة المصلحة العامة.
لقد أولت الدولة الإسلامية، في مختلف عصورها، عناية كبيرة بالأوقاف، حتى أصبحت جزءًا أصيلًا من منظومة القيم الإسلامية، وامتدادًا عمليًا لمبادئ الشريعة في العدالة والتكافل. ومع الزمن، غدت الأوقاف مؤسسة قائمة بذاتها، لها مواردها ومصارفها، وأنواعها ومجالاتها، وتؤدي أدوارًا متعددة في دعم التعليم، ورعاية الفقراء، وخدمة المساجد، وإيواء المسافرين، وغير ذلك من أوجه الخير العام.
وفي اليمن، بوصفه نموذجًا حيًا لهذا الامتداد الإسلامي، مرت الأوقاف بمراحل تاريخية متعددة، كانت في مجملها وثيقة الصلة بالدولة القائمة، حيث شكلت مصدرًا مهمًا من مصادر الثروة، ورافدًا أساسيًا من روافد الخزينة العامة. ولهذا حرصت مختلف الدول التي تعاقبت على اليمن، قديمًا وحديثًا، على توسيع رقعة الأوقاف وتنمية مواردها، بل وجعلتها ضمن أولوياتها الاستراتيجية، إدراكًا لما تمثله من قوة اقتصادية وتأثير اجتماعي.
غير أن هذه الأهمية ذاتها، جعلت الأوقاف عرضة دائمة للتوظيف السياسي، بل وللاستحواذ والمصادرة. فالتاريخ اليمني يكشف عن نمط متكرر، حيث تعمد كل سلطة جديدة إلى وضع يدها على أوقاف سابقتها، والتعامل معها بوصفها ملكية قابلة للتصرف، لا أمانة شرعية يفترض صونها. وهكذا تحولت الأوقاف، في كثير من المراحل، من أداة تكافل إلى غنيمة صراع، ومن مؤسسة خيرية إلى مورد نفوذ.
وقد أدى هذا المسار إلى تضخم هائل في حجم الأوقاف، مقابل تراجع في كفاءتها ووظيفتها الأصلية، نتيجة تفشي الفساد، وتغول المتنفذين، واحتكار إدارتها من قبل فئات محددة تدعي لنفسها أحقية دينية أو عرفية في الإشراف عليها. بل إن بعض الممارسات التاريخية ذهبت إلى استخدام الوقف كوسيلة للالتفاف على أحكام الميراث، خصوصًا بحرمان النساء، عبر تحويل الممتلكات إلى أوقاف مغلقة داخل إطار الذكور.
وتتنوع الأوقاف في اليمن بين الوقف العام الذي تشرف عليه الدولة، والوقف الخاص أو الحر المقيد بشروط الواقف، إضافة إلى أوقاف تعليمية كوقف "الدريس" الخاص بتعليم القرآن، وأوقاف وصايا، وأخرى مخصصة للمساجد والمدارس والمنافع العامة. كما تشمل الأوقاف أراضي زراعية وعقارات ومنشآت، تدر عوائد مالية كبيرة، يفترض أن توجه لخدمة المجتمع.
غير أن جزءًا من هذه الأوقاف اندثر بانتهاء الغرض منه، كالمساجد المهجورة، أو الكتاتيب القديمة، أو بعض المرافق التقليدية المرتبطة بأنماط حياة لم تعد قائمة، فيما تم توجيه جزء آخر منها بطرق غير شفافة، أو استغلاله بعقود طويلة الأمد تقترب من البيع المقنع.
وأمام هذا الواقع، تبرز الحاجة الملحة إلى إعادة قراءة ملف الأوقاف في اليمن قراءة علمية شاملة، تبدأ بتأصيلها التاريخي، وفهم بنيتها المؤسسية، وتحديد مواردها ومصارفها، مرورًا بتقييم دورها في الاقتصاد الوطني، وانتهاء بإبراز بعدها الأخلاقي والديني في تعزيز التكافل الاجتماعي.
إن الأوقاف، بما تمتلكه من أصول ضخمة وإمكانات هائلة، يمكن أن تشكل رافعة اقتصادية حقيقية للدولة، إذا ما أُحسن إدارتها، ووُضعت تحت منظومة شفافة تحد من الفساد، وتعيد توجيهها نحو أهدافها الأصلية. فهي، في حال تفعيلها بكفاءة، قادرة على الإسهام في سد فجوات الموازنة، وتحسين مستوى الخدمات، ودعم التنمية المستدامة.
لكن ذلك لن يتحقق ما لم يتم تحرير الأوقاف من قبضة الصراع السياسي، وإعادتها إلى فضائها الطبيعي كمؤسسة مجتمعية ذات رسالة إنسانية، لا كغنيمة تتنازعها السلطات، أو مورد تحتكره فئة دون سواها.