هل يتخلى ترمب عن الخليج؟ بين منطق الردع وحسابات المقامرة
لا يبدو أن دونالد ترامب مكترثًا بما يحدث في الخليج، أو على الأقل لا يضع أمنه في صدارة أولوياته التكتيكية ضمن مشهد الحرب الراهن.
من الناحية الاستراتيجية، تأسس الوجود الأمريكي في الخليج على ثلاث ركائز رئيسية: ضمان تدفق الطاقة، حماية الممرات البحرية الحيوية، واحتواء الخصوم الإقليميين، وفي مقدمتهم إيران .
وبالنظر إلى التصعيد الحالي، والهجمات الإيرانية وردودها المباشرة على الاعتداءات الأمريكية–الإسرائيلية، يتضح أن دول الخليج قد أُقحِمت—رغم إرادتها—في صراع كانت تحاول تجنّب الانخراط فيه.
وجود القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج شكّل نقطة تحوّل حاسمة؛ فهذه القواعد، التي تُستخدم كنقاط انطلاق للعمليات العسكرية، منحت—وفق الرؤية الإيرانية—مبررًا استراتيجيًا لاستهداف دول الخليج، حيث تعتبر طهران أن وجود بنية عسكرية معادية على أراضي هذه الدول يضفي مشروعية لضربها، خاصة في ظل محدودية قدرتها الحالية على توجيه ضربات مباشرة إلى العمق الأمريكي.
بعد مرور ما يقارب شهرًا على اندلاع الحرب، لا تبدو إيران في موقع الاستسلام أو حتى التراجع. على العكس، تُظهر إصرارًا واضحًا على الاستمرار في المواجهة مع خصميها الرئيسيين، الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين بادرتا—من وجهة النظر الإيرانية—بإشعال فتيل الحرب بشكل مفاجئ، رغم وجود مسار تفاوضي قائم آنذاك.
هذا التطور يضرب في العمق مصداقية أي دعوات لاحقة للعودة إلى طاولة المفاوضات. فبالنسبة لطهران، ما جرى يُعد "طعنة مزدوجة" في يونيو 2025 وفبراير 2026، ما يجعل الثقة في أي إطار تفاوضي مستقبلي شبه معدومة. وعليه، فإن أي شروط أمريكية لوقف الحرب تُصنّف إيرانيًا ضمن "الشروط التعجيزية"، التي لم تكن مقبولة حتى قبل اندلاع المواجهة، فكيف بعد الضربات التي استهدفت الداخل الإيراني واغتيال قيادات عليا، وعلى رأسهم علي خامنئي؟
لقد نجحت إيران في توجيه ضربات دقيقة نسبيًا استهدفت مواقع عسكرية ذات قيمة، مما شكّل تحولًا نوعيًا في معادلة الردع. فقد طالت الهجمات قواعد جوية تُستخدم كنقاط انطلاق للعمليات، ومنشآت لوجستية مسؤولة عن الإمداد والدعم، إلى جانب مراكز رادارية وأنظمة دفاع جوي في محيط تموضع القوات الأمريكية وإسرائيل. وفي إطار الروايات المتداولة حول الضربات الأخيرة، يُشار إلى ايران نجحت في استهداف طائرتين عسكريتين ذات قيمة استراتيجية عالي: الأولى هي طائرة اواكسAWACS التي تُعد عنصرًا محوريًا في إدارة المجال الجوي والقيادة والسيطرة، أما الثانية فهي المقاتلة الشبحية المتقدمة F-35 ، والتي تمثل أحد أعمدة التفوق الجوي لدى الولايات المتحدة وإسرائيل.
ومن هذا المنطلق تطرح إيران شروطها الخاصة لوقف الحرب، في محاولة لإعادة ضبط ميزان التفاوض من موقع الندية لا التبعية، إلا أن ترامب يرفض القبول بهذه الشروط، كما يرفض—سياسيًا وإعلاميًا—الإقرار بأي شكل من أشكال الخسارة. هذا الرفض يدفع بالتصعيد نحو سيناريوهات أكثر خطورة، أبرزها خيار التدخل البري أو استهداف منشآت أكثر حساسية داخل إيران.
لكن السؤال المحوري هنا: كيف سيكون الرد الإيراني؟
المؤشرات العملياتية خلال الأيام الماضية تؤكد أن إيران، رغم الضربات المكثفة، لا تزال تحتفظ بقدرة معتبرة على الرد، بل إن نمط التصعيد يوحي بأنها قد تذهب نحو توسيع بنك الأهداف ليشمل منشآت أكثر حساسية، سواء داخل إسرائيل أو في محيطها الإقليمي، خصوصًا في الدول التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية مما يضع دول الخليج في قلب معادلة الردع، لا على هامشها.
في هذا السياق، يتعزز الانطباع بأن ترامب لا يمنح أولوية كافية لتداعيات التصعيد على دول الخليج. بل يبدو—وفق هذا المسار—منخرطًا في لعبة عالية المخاطر، يسعى من خلالها إلى تحقيق "نصر سياسي" بأي ثمن، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار حلفائه أو الاقتصاد العالمي. خطابه الإعلامي، الذي يروّج لانتصارات غير محسومة ميدانيًا، يعكس إصرارًا على تجنّب صورة الخاسر، أكثر من كونه قراءة واقعية لتوازنات القوة.
في نهاية المطاف، يقف الخليج أمام مرحلة اختبار حقيقية؛ مرحلة تتطلب قراءة دقيقة للتحولات في السلوك الأمريكي، وبناء مقاربة أكثر استقلالية في إدارة الأمن الإقليمي، لأن الاعتماد المطلق على قوة خارجية لم يعد خياراً مضمون النتائج في عالم تحكمه المصالح المتغيرة، لا الثوابت. نحن أمام حرب مفتوحة بلا أفق حاسم، الخاسر الأكبر في هذا المشهد لا يبدو طرفًا بعينه، بل الاقتصاد العالمي والاستقرار الإقليمي، في ظل تصعيد قد يتحول—في أي لحظة—إلى مواجهة أوسع تتجاوز حدود السيطرة.