صنعاء 19C امطار خفيفة

التهميش في اليمن.. بنية مغلقة أم قدر قابل للكسر؟

لكل مجتمع بشري تراتبيته الخاصة التي تتشكل بفعل تفاعلات ديموغرافية وجيوسياسية، وتتحدد ملامحها عبر تراكمات اجتماعية وثقافية متصلة بالدين والعرف والعادة. والمجتمع اليمني ليس استثناء من هذا النسق العام، بل يمثل حالة مركبة تتداخل فيها البنية القبلية مع الاقتصاد التقليدي، لتنتج نظامًا تراتبيًا خاصًا به، ترسخ عبر الزمن حتى غدا أقرب إلى الثابت الاجتماعي الذي يصعب تفكيكه أو تجاوزه بسهولة.

هذه التراتبية لم تنشأ على أساس طبقي صريح كما في التجربة الأوروبية، بل تشكلت وفق محددات عرفية قبلية، كان قوامها الحرفة أولًا، ثم الانتماء لاحقًا، حتى استقرت كمسلمات اجتماعية أعادت إنتاج نفسها جيلًا بعد جيل. ورغم محاولات الدين أو الأيديولوجيا تهذيبها أو تقليص حدتها، إلا أن تأثيرها ظل محدودًا، إذ بقيت البنية العرفية أكثر صلابة وقدرة على البقاء.
ومن هنا، فإن إسقاط مفاهيم التقسيم الطبقي الأوروبية، كما صاغها ماركس أو فيبر، على المجتمع اليمني، يمثل قدرًا من التعسف المنهجي، لأن التراتب فيه لا يقوم على صراع طبقي بين برجوازية وبروليتاريا، بل على تمايزات فئوية مغلقة، تحكمها الأعراف أكثر مما تحكمها علاقات الإنتاج.
ضمن هذا السياق، تبرز فئات بعينها في أسفل السلم الاجتماعي، مثل بعض أصحاب الحرف اليدوية، لتأتي بعدها فئة المهمشين، التي تمثل أقصى حالات الإقصاء الاجتماعي. وهي فئة ظلت تاريخيًا خارج دائرة الفعل السياسي والاجتماعي، ومحرومة من فرص الاندماج، ومقيدة بسياج كثيف من الوصم الاجتماعي.
وقد اتخذ هذا الانقسام، في مراحله التاريخية، طابعًا هرميًا وراثيًا، يحدد موقع الفرد سلفًا، ويجعل الحراك الاجتماعي استثناء نادرًا لا يتحقق إلا في ظروف استثنائية، كالحروب أو التحولات الكبرى. ومع مرور الزمن، تحول هذا التحديد العرفي إلى بنية مغلقة تعيد إنتاج ذاتها، وتقاوم أية محاولة جادة للاختراق.
أما فئة المهمشين، فقد ظلت حبيسة هذا القاع الاجتماعي، تعيش في تجمعات طرفية معزولة، وتعتمد في الغالب على أعمال دنيا أو دخل هامشي، في ظل حرمان شبه كامل من الموارد والفرص. وقد اختلفت التفسيرات حول أصولها، بين من يعيدها إلى بقايا تاريخية للهجرات أو العبودية، ومن يؤكد اندماجها الكامل في النسيج اليمني، بما يجعل الحديث عن نقاء عرقي مجرد وهم لا سند له.
ورغم بعض محاولات الدمج التي شهدها القرن العشرون، بخاصة بعد ثورة سبتمبر، إلا أن نتائجها ظلت محدودة، بسبب استمرار البنية الاجتماعية الرافضة، وضعف البرامج المؤسسية، وغياب المعالجة الجذرية. وفي المقابل، قدمت بعض التجارب، كما في جنوب اليمن سابقًا، نماذج جزئية لدمج مؤقت، سرعان ما تراجع بفعل عودة المحددات التقليدية.
وتكشف النماذج الميدانية أن التهميش ليس مجرد حالة اقتصادية، بل منظومة متكاملة من العزل الاجتماعي والوصم الثقافي، حيث يعاد إنتاجه عبر السكن المنفصل، والزواج المغلق، وتدني فرص التعليم، وانحصار المهن. ومع ذلك، تظهر حالات فردية للاختراق، غالبا ما تنتهي بالارتداد إلى البيئة الأصلية، تحت ضغط العرف أو بفعل قوة التكيف مع المحيط.
وهنا يطرح السؤال الجوهري: هل التهميش حالة معيشية طارئة، أم هوية اجتماعية متكلسة؟
الواقع أنه بدأ كحالة تاريخية اقتصادية، لكنه تحول مع الزمن إلى شبه هوية مفروضة، لا بفعل جوهر ذاتي، بل نتيجة انسداد الأفق، واستمرار الإقصاء. وما يبدو أحيانًا كرضا أو استكانة، ليس إلا تعبيرًا عن تكيف قسري مع واقع مغلق، أعاد تشكيل وعي أفراده وحدود طموحهم.
إن جوهر المشكلة لا يكمن في الفئة ذاتها، بل في البنية التي تنتجها وتعيد إنتاجها. ولذلك فإن أية مقاربة لا تتجاوز الحلول الشكلية، ولا تمس العرف الاجتماعي، ولا تعيد توزيع الفرص، ستظل عاجزة عن إحداث تحول حقيقي.
فالتعليم النوعي، والاختلاط السكني، وكسر الوصم الاجتماعي، والتمكين الاقتصادي، تمثل شروطًا لازمة لأي مسار اندماج فعلي. وما دون ذلك سيبقي التهميش في حالة جمود، يعاد إنتاجها بصيغ مختلفة.
وعليه، فإن التهميش في اليمن ليس قدرًا أبديًا، لكنه أيضًا ليس ظاهرة عابرة. إنه بنية راسخة، لا تنكسر إلا بتحول عميق في الوعي والمجتمع والدولة معًا.
فهل لهذا الليل من آخر؟
نعم... لكنه فجر لا يولد من الانتظار، بل من التغيير.

الكلمات الدلالية