صنعاء 19C امطار خفيفة

اليمن بين مطرقة إيران  وسندان من يتحارب معها

كتبتُ أكثر من موضوع حول حرب إيران مع الصهيونية، وأين يجب أن نكون، وأشرتُ إلى أن أغلب ما قرأتُه في هذا الصدد، بعضها عبارة عن تحريض ودعوات لوجوب أن يقف الناس مع إيران، وبعضها يدعو – على الأقل – إلى النظر للحرب بحياد، وقليل هم من يدعون إلى لزوم التفاف العرب حول أنفسهم؛ ليجعلوا من أنفسهم أمة تُذكر باحترام وهيبة بين الأمم. غير أنني لم أقف على مقالة لكاتب محترم يدعو للوقوف مع الصهاينة.


وقلتُ في منشور سابق نشرته على منصة "فيسبوك": إنه يجب علينا أن نُسخِّر مجريات هذه الحرب وظروفها لصالح لملمة الصف العربي؛ لنكون بذاتنا أمة تحترمها الأمم والشعوب الأخرى. ولا زلتُ عند موقفي هذا؛ فكلٌّ منهما له مشروع كريه يختلف عن مشروع الآخر، غير أنها مشاريع في غير صالح أمتنا، وكلاهما قد فعل في العرب عامة، واليمن خاصة، الأفاعيل التي لا تُحمد عقباها.
ولهذا يصعب عليّ، بل ويستحيل، أن أنسى ما نالني منهم من أوجاع؛ فإيران أوجعت، ولا زالت توجع وطننا وقلوبنا. فكيف يليق بعاقل أن يتجاهل أن طهران تبعث لنا شعارات "الموت لأمريكا، والموت لإسرائيل"، وتلقِّن بهذا الشعار أطفالنا ليرددوه على ألسنتهم، وهم مجرد أطفال أبرياء لم يذق أيٌّ منهم الموت الأمريكي؟ بل تم تفجير مسجد قريته بمتفجرات إيرانية وأيادٍ حوثية، وشاهد بأم عينيه قذيفة حوثية سقطت على فرن حارته فدمرته، وأخرى أفقدته أباه دون أن تمنحه كسرة خبز أو حبة دواء.
إنهم يدربون خطباءنا على إقناعنا بسماع قصائد المقاومة ومحاضرات سيدهم، وعند المطالبة بالرواتب يخونوننا ويتفننون في تجويعنا، بل ويستأثرون لأنفسهم وأتباعهم – دوننا – بالخبز المدعوم من خصوم طهران. يا لسخرية المنقلب، ويا لسوء الحال الذي أوصلونا إليه! فقد جعلونا مادة لدعاية إيرانية مجانية؛ نلعن واشنطن بصوتٍ يمني، ونموت بقذيفة إيرانية، وبين اللعنة والموت لا يصل إلينا من طهران حبة بندول أو كبسولة باراسيتامول، مثلاً!
وإسرائيل – بمساندة من الشيطان الأكبر – توجعني كوني مواطنًا عربيًا؛ فمنذ عقود أدمت قلبي في غزة مرات ومرات. وعاصفة الحزم السعودية الإماراتية كذلك أوجعتني بقصفها لبلادي بزعم دحر الانقلاب الحوثي وإعادة الحكومة الشرعية؛ لكنها، بهذا المبرر، أمعنت في تدمير بلادي بالقصف الحاقد والعنيف للبنية المدنية؛ فدمرت المستشفيات والجسور والمدارس والمنشآت العامة، وطحنت البشر دون رحمة، وهم آمنون بأمان الله في منازلهم، وفي الطرق العامة، وفي قاعات الأفراح والأتراح.
وأعقبت هذا كله بحصار حاقد جائر جفّف الدواء والوقود، وكل الوسائل الضرورية اللازمة للحد الأدنى من متطلبات الحياة. وليتها حققت شيئًا مما زعمت من نصرتها للشرعية وإنهاء الانقلاب؛ ولكن لا انقلاب دحرته، ولا شرعية نصرتها ومكّنتها من سلطتها، ولا هي أيضًا جنّبت بلادنا القتل والتدمير وجور الحصار.
وهكذا، فإن إيران والتحالف يتقاطعان مع بعضهما عند النتيجة الآثمة نفسها: جنازات يمنية، وأيتام، وثكالى، وأرامل، ومشردون في أصقاع المعمورة.
بقي من يصفق للصهاينة؛ فهذا بفعله إنما يشرعن جرائم الكيان الغاصب لعقود من الاحتلال والاستيطان والحصار والقتل الجماعي، الذي عانى منه إخوتنا في الأرض المحتلة من النكبة إلى مجازر غزة؛ عقودًا جُرِّد خلالها إخوتنا الفلسطينيون من الأرض والمسكن والحق في الحياة الآمنة.
وبهكذا وضع، أوضحه لكم بمثال في منظر ساخر: كأننا نشاهد شخصًا واقفًا على رصيف يوزع بطاقات تشجيع مكتوب عليها: (صفقوا لإيران!)، وآخر يصرخ ويوزع بطاقات ثانية مكتوب عليها: (صفقوا للتحالف وأيدوا ضرب إيران!). والرصيف نفسه الذي يقف عليه هذان الأهبلان تغرقه مياه الصرف الصحي.
هكذا هو مقام من يطلب من المواطن اليمني، وهو يدفن قتلاه في صنعاء وصعدة وتعز والبيضاء، أن يقف بين قاتليه؛ الحاضر منه والمستقبلي، وكأنه يُخيَّر بين رصاصة حالية ملفوفة بغلاف المقاومة والحوثي، ورصاصة محتملة ستكون ملفوفة بغلاف من يتحارب مع إيران. والطرفان – هذا وذاك – يلتقيان معًا عند الفاتحة على جنازات يمنية.
الاختيار الوهمي في هذا الصدد، يا إخوة، لم يعد – برأيي – مضحكًا؛ بل صار وقحًا. فمن يطلب من المطعون اليوم أن يشكر السكين لأنها فارسية، فسيطلب منه – لو طُعن في الغد – أن يحمد الله لأن الخنجر غير فارسي!
فلا يليق بنا أن نبرر ذبح البريء بسكين المقاومة، ولا قتله بخنجر الممانعة، ولا موته بعبوة التحالف. ولا يستحق الاحترام من يطلب من المذبوح بالخنجر الفارسي أن يُقبِّله، ولا من هو مقهور من ظلم الحوثي أن يؤيده، ولا يستحق الاحترام كذلك من يدعو إلى التسامح مع جرائم التحالف، أو إلى تجاهل عبث الصهاينة بإخوتنا في فلسطين.
فعلينا، في الأول والأخير، ألا نقف – ولا حتى لثانية واحدة – مع السؤال السخيف: "مع من نقف؟"، بل نسأل أنفسنا أولًا: متى سنقف مع أنفسنا؟ ومتى سنرمم بيتنا قبل أن نوزع ولاءاتنا على بيوت الآخرين؟
علينا أن نعي أننا إذا ما رغبنا في أن نبني أمة محترمة، فعلينا أولًا أن نُحيي كرامة الفرد في أوطاننا بكل ما تعنيه كلمة (كرامة).
والله من وراء القصد.

الكلمات الدلالية