اجتماع إسلام أباد وبوادر كتلة "توازن إقليمي"
يأتي الاجتماع الرباعي لوزراء خارجية كلا من السعودية ومصر وتركيا وباكستان، كنواة لمحور إقليمي قيد التشكل لبلورة رؤية لإدارة مرحلة عالية السيولة الاستراتيجية، تعمل عليه المملكة العربية السعودية منذ عدة أشهر.
ويعكس هذا الاجتماع تقاربا بين أربع قوى تمثل:
السعودية ومصر مركز الثقل العربي
تركيا كقوة إقليمية صاعدة ذات مشروع مستقل
باكستان كقوة نووية إسلامية
ويقترب هذا التكوين من فكرة "كتلة توازن" وظيفي مرن في مواجهة المشروع الإيراني من جهة، ومحاولات إعادة هندسة الإقليم من خارج المنطقة وفرض إسرائيل كمركز ثقل إقليمي من جهة أخرى.
تتجه هذه القوى الرئيسية في المنطقة إلى بناء حد أدنى من التوافق الوظيفي حول قضايا الأمن الإقليمي، وفي مقدمتها التصعيد مع إيران وأمن الممرات البحرية، وهذا ما عكسه البيان الصادر عن الاجتماع الذي عقد أمس الأحد في إسلام أباد.
التوجه لا يزال في طور التشكل، لكنه يحمل دلالة على انتقال تدريجي من توازنات مفككة إلى أنماط تنسيق أكثر تماسكا، مع قابلية هذا المسار للتطور لاحقا إلى بنية إقليمية أكثر وضوحا إذا استمرت الضغوط الاستراتيجية الحالية.
ولا يمكن قراءة هذا التوجه الإقليمي الناشئ بمعزل عن المجال البحري الممتد من الخليج العربي والبحر الأحمر، إلى شرق البحر الأبيض المتوسط والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع مصالح هذه الدول بصورة مباشرة مع أمن الممرات البحرية الحيوية.
ففي الوقت الذي يشكل فيه مضيق هرمز نقطة الارتكاز الشرقية لتدفقات الطاقة، يبرز مضيق باب المندب بوصفه الحلقة الأكثر حساسية في هذه المنظومة، نظرا لدوره في ربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي وتأثيره المباشر على حركة التجارة العالمية، إظافة إلى أهمية قناة السويس في هذه العملية، كمنفذ حيوي إلى البحر الأبيض المتوسط.
وفي هذا السياق، يتحول اليمن من ساحة صراع محلي إلى عنصر بنيوي في معادلة الأمن الإقليمي، حيث تمتلك القوى الفاعلة داخله، وفي مقدمتها جماعة الحوثي، قدرة فعلية على التأثير في أمن الملاحة، وهو ما يمنح أي ترتيبات إقليمية قيد التشكل بعدا عمليا يرتبط بمدى قدرتها على إدارة هذا الملف الحساس.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى التقارب بين هذه الدول بوصفه خطوة باتجاه بناء إطار تنسيقي لا يقتصر على احتواء التوترات مع إيران، بل يمتد ليشمل تأمين الممرات البحرية وإعادة ضبط التوازنات في البحر الأحمر، بما يجعل اليمن اختبارا حقيقيا لمدى فاعلية هذا المسار، ومؤشرا مبكرا على قدرته على التحول إلى بنية إقليمية مستقرة، وليس مجرد ساحة انعكاس له.