صنعاء 19C امطار خفيفة

غياب الحرية في اليمن: وخنق أصوات النقد(13-14)

الدين الإسلامي في حد ذاته معارضة، و الأنبياء والرسل عليهم السلام كان نهجهم المعارضة، ومنهجهم نقد سلبيات ومعايب أقوامهم؛ فنبينا الكريم عليه الصلاة والسلام كان ناقداً، ومعارضاً لسياسة قومه، وفسادهم.

ولنا في شرح جعفر بن أبي طالب للنجاشي نماذج من فساد قريش التي عارضها النبي محمد عليه الصلاة والسلام وقومه؛ اذ قال له: "أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الإِسلام - فصدقناه، وآمنا به واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا؛ ليردونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.".!
فقد كان كبار قريش يظلمون الناس وخاصة الضعفاء والمساكين، ويأخذون أموالهم ويسلبون حقوقهم.
هذه مجرد امثلة للسياسات التي عارضها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كما جاء آمراً الناس بالنصح في حديث صحيح البخاري"الدين النصيحة، قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله، ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم".
وفي صحيح مسلم حديث "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان". وكان الخلفاء قد شكلوا أنموذجاً رائعاً لكيفية التعامل مع النقد والمعارضة.
فالخليفة الأول أبو بكر الصديق عندما تولى الخلافة خطب في قومه ومما حفظ من قوله: "أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم".
وكذلك الفاروق سيدنا عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:
أيها الناس من رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقومه، فقام له رجل وقال: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في هذه الأمة من يقوم اعوجاج عمر بسيفه؟.
وكذلك فعل الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه عندما تولى الخلافة، قال:
"أيها الناس: إنما أنا رجل منكم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".!
وموسى (عليه السلام) عارض سياسة فرعون التي كانت قائمة على الظلم والاضطهاد؛ وسلب حقوق الناس واستعبادهم والاستخفاف بعقولهم
ولم يطق الفرعون سماع من يعارضه فسعى لتشكيك الناس في صدق توجه موسى وزعم -على خلاف الحقيقة- انه هو الحارس الامين على الفضيلة وعلى عقيدة الناس ومصالحهم فأخبرنا الله عن سياسته الطاغوتية بقوله:
"وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ" (غافر: 26).
وقد ذكر القرآن الكريم استغفال فرعون لقومه واستخفافه بعقولهم فقال:
"فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ" (الزخرف: 54)
وهكذا هو نهج الطغاة المستبدين والفاسدين حتى اليوم يجهلون الناس ويستخفون بعقولهم.
وكما هي طباع المستبدين فإنهم يصادرون عقول أتباعهم، ويريدونهم عبارة عن قطيع امعات لا رأي لهم ولا قول ؛ وهذا ما فعله فرعون مع قومه؛ فقد بينه الله تعالى في قوله :
"قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ *
وقال:
(إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) (غافر: 29-26).
و المسيح ابن مريم (عليه السلام) جاء معارضاً للتصرفات الفاسدة، والظالمة التي كانت سائدة في عصره، ومنها:الرباء والتباهي في العبادة، والاهتمام بالظاهر، وترك الباطن، والتكبر والاستعلاء على الآخرين ،والظلم والاضطهاد.
والكثير من التقاليد الباطلة التي كانت سائدة عند اليهود؛ وكانت تتعارض مع تعاليم الله تعالى فجاء عليه السلام لينهاهم عنها، ويدعو الناس إلى التوبة والرجوع إلى الله، والاهتمام بالروح والقلب، والتعامل بالمحبة والعدل.
غير أن قومه تصدوا لمعارضته ورفضوا دعوته،فاتهموه بالسحر والجنون، ورفضوا الإيمان به وحاولوا قتله، وبشكل عام فقد ذكر القرآن الكريم عددا من الآيات التي تدلل على توجه الأنبياء لنقد فساد أقوامهم، وأبان صورا كثيرة لردود أفعال الطغاة الفاسدين من علية أقوامهم ..!
فعادة المستبدين والطغاة في كل عصر مواجهة نقد من يعارضهم بالقوة والعنف.
لذا فقد كانت ردود أفعالهم تجاه الأنبياء والمرسلين، ومن معهم هو العذاب والتنكيل وإلصاق تهم العمالة والإضرار بالدين والوطن، وحرصهم على بقاء الشعوب على جهالتها تحت سيطرة وطغيان ساسة الفاسدين.
يبقى السؤال: هل يستمر اليمنيون ملتزمين السكوت حين يُستخفّ بعقولهم، أم يجعلون النصيحة ولو بالكلمة ديناً يُعمل به؟
الأمل أن تبدأ السلطات بالإرتقاء في تعاملها مع المعارضة، والنقد وان يتحمل الجميع المسؤولية لنبذ الحروب والاقتتال والدعوة الى الحوار ومراجعة الاعوجاج والمكافحة الفعلية للفساد، بدل الاستمرار في حالة توهان اللاحرب واللاسلم وبدلاً عن الخضوع للطغيان والاستبداد، فمستقبل البلاد في النهاية مفتوح بين خنقٍ متكرر، وبين فضاءٍ معقول يُسمع فيه من السلطات قولاً وعملاً.
عبارة (قوّمني بلا خوف وأبدأ في انتقادي بالتي هي احسن).!
والله من وراء القصد.

الكلمات الدلالية