حين يعلو ضجيج الأبواق أكثر من ضجيج الحروب
الحرب الإيرانية الأمريكية الصهيونية كشفت كثيرًا من الحقائق، وأظهرت اتجاهات خفية ونوايا متباينة لدى عدد من الدول، خصوصًا في المنطقة العربية. وقد تابعت هذه الإشكالية، وما زلت أتابعها عن كثب. وأقصد بالإشكالية هنا حربًا أراها مضطربة، أو إن صح التعبير حربًا ذات طابع خاص لا تنطبق عليها المعايير التقليدية للحروب الدولية وفق الاتفاقات المعروفة. فهي في كثير من صورها تبدو اعتداءً سافرًا، وتؤثر في مسارات التجارة العالمية، وتخلق حالة من الاستقطاب بين دول مؤيدة وأخرى معارضة أو مترددة.
لكن ما أثار انتباهي هو موقف دول الخليج عمومًا، وربما أستثني سلطنة عمان بحكم سياستها المعروفة في الحياد. وقد يختلف البعض مع هذا الحياد أو يتضايق منه، بل قد يذهب آخرون إلى الاعتقاد بأن عمان تميل ضمنيًا إلى إيران، لكن التاريخ السياسي العماني يشير إلى أنها غالبًا ما اختارت طريق الوساطة والتهدئة.
أما بقية دول الخليج، فهناك نقاش واسع بين بعض المثقفين والخبراء وحتى الشخصيات السياسية الخليجية—كويتية وقطرية وإماراتية—حول طبيعة التحالفات والاصطفافات في المنطقة. وقد تظهر آراء أخرى لاحقًا من الجانب السعودي أيضًا. فالدولة القوية، في تقديري، هي التي تعترف بأخطائها إن وجدت، وتعمل على معالجتها بوضوح.
نحن اليوم في القرن الحادي والعشرين أمام متغيرات هائلة. وبعض الدول قد تعتمد على آراء صحفيين أو أصوات إعلامية في الفضاءات الإعلامية أو في وسائل التواصل الاجتماعي، وتظن أن تلك الأصوات تمثل تأثيرًا حقيقيًا في الرأي العام. لكن في كثير من الأحيان يتحول الأمر إلى نوع من الارتجال الإعلامي الذي لا يصنع سياسة، بل قد يعكس نمط التفكير داخل تلك الدولة.
وأخص بالذكر هنا المملكة العربية السعودية، التي تُنفق أحيانًا أموالًا على أصوات إعلامية يمنية وغير يمنية لتهاجم إيران وتنتقدها باستمرار. بينما قد لا تكون المملكة بحاجة إلى مثل هذه الأبواق الإعلامية. فالقضايا الكبرى—مثل الصراع مع إيران أو مواجهة السياسات الأمريكية أو الإسرائيلية—ليست قضايا تُحسم عبر الشتائم الإعلامية، بل عبر السياسات الواضحة والمواقف الاستراتيجية.
فالتاريخ الحديث مليء بأمثلة على سياسات أمريكية أثارت جدلًا واسعًا، بدءًا من حروب الشرق الأوسط إلى ما حدث في العراق وليبيا وسوريا واليمن. كما أن ما يجري في غزة اليوم أثار انتقادات حتى داخل الغرب نفسه. ومع ذلك، نجد بعض الخطابات الإعلامية تختزل المشهد كله في نقطة واحدة هي مهاجمة إيران فقط، دون النظر إلى تعقيدات المشهد الدولي وتاريخه السياسي والثقافي.
لا شك أننا قد نختلف مع هذا القائد أو ذاك النظام أو تلك السياسة، لكن التغيير الحقيقي غالبًا ما يأتي عبر حركة الشعوب: مظاهرات، ضغط سياسي، أو تحولات داخلية. وقد سقطت أنظمة عربية كثيرة بهذه الطرق.
لكن ما يقلق بعض المثقفين في الخليج هو فكرة أن أي حرب شاملة مع إيران قد لا تجلب الاستقرار للمنطقة، بل ربما تزيد من تعقيدها. فالتجارب السابقة تشير إلى أن الولايات المتحدة، حين تحقق أهدافها، قد تنسحب تاركة الدول التي دخلتها تعاني آثار الحروب لسنوات طويلة، كما حدث في العراق وليبيا وسوريا واليمن.
ومن جهة أخرى، ظهرت المملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة ببرنامج مختلف أذهل العالم، وليس العالم العربي فقط. فقد شهدت البلاد تحولات اجتماعية واقتصادية وثقافية كبيرة ضمن رؤية حديثة تسعى إلى تقديم نموذج عالمي جديد.
وهنا يبرز السؤال:
هل تحتاج المملكة العربية السعودية إلى أصوات إعلامية صاخبة للدفاع عنها، أم إلى برامج وسياسات واضحة تعزز هذا التحول؟
أتذكر في هذا السياق حديث ولي العهد الأمير محمد بن سلمان حين تحدث عن السلام مع الجميع، حتى مع إيران والحوثيين، وعن ضرورة التعايش والاستقرار في المنطقة. مثل هذه الدعوات لا يطلقها إلا قائد يدرك تعقيدات التجربة السياسية، أو تعلم من دروس الماضي، أو أُعدّ ليواجه تحديات العالم بروح مختلفة.
فالقوة الحقيقية ليست في الضجيج الإعلامي، بل في الحكمة السياسية. وحتى الخصم، إذا وجد خطابًا سطحيًا أو تافهًا، قد يفقد احترامه لك.
لقد شهد التاريخ نماذج من الحكام الذين كانوا يستقدمون من يمدحهم ويهاجم خصومهم، لكن بعضهم كان يدرك في النهاية أن هؤلاء مجرد باعة كلمات لا يصنعون سياسة.
وفي النهاية، ما زالت المنطقة تواجه احتمالات صراع واسع، وقد شهدنا سابقًا كيف دخلت الولايات المتحدة إلى دول عديدة تحت ذرائع مثل أسلحة الدمار الشامل، ثم غادرت بعد تحقيق أهدافها، تاركة العراق وليبيا وسوريا واليمن تعاني آثار تلك الحروب حتى اليوم.
فهل تعلمنا من الدرس؟
يبقى المثل العربي صادقًا:
كل إناء بما فيه ينضح