الحرب على إيران... لا تحتمل غياب الموقف العربي
أصبحت الحرب الأمريكية -الإسرائيلية ضد إيران، بعد أن كانت مجرد تقديرات أو تحليلات، واقعًا يتشكل أمام أعيننا، وتتسع آثاره يومًا بعد آخر، بما يهدد أمن المنطقة واستقرارها، ويضع السلام والاستقرار والاقتصاد العالمي على حافة مرحلة شديدة الاضطراب.
وأمام هذا المشهد المقلق، أجدني أستعيد تجربة شخصية عشتها في مطلع عام 2008 عندما وصلت إلى بيروت سفيرًا. يومها، كانت المنطقة أقل توترًا مما هي عليه اليوم، لكن ما كان واضحًا آنذاك هو أن المنطقة كانت تسير نحو صراعات أكبر إذا لم يتم احتواؤها بالحوار والتنسيق.
بعد تسليم أوراق اعتمادي إلى رئيس الجمهورية اللبنانية، قمت بزيارات بروتوكولية إلى السفراء العرب، وكان الهدف الأساسي منها تعزيز التنسيق العربي المشترك، والتأكيد على أن المرحلة تتطلب موقفًا عربيًا موحدًا لا مواقف متفرقة. فلبنان، بحكم موقعه الجغرافي وحساسيته السياسية، كان ولا يزال مرآة حقيقية لما يحدث في المنطقة كلها.
ولأن الأزمات لا يمكن فهمها من زاوية واحدة، حرصت على توسيع دائرة التواصل لتشمل سفراء دول مؤثرة في توازنات المنطقة، وفي مقدمتها تركيا وإيران وباكستان. وأذكر أنني قمت حينها بزيارة بروتوكولية للسفير الإيراني في بيروت، وكان السفير محمد رضا شيباني، ودار بيننا حديث صريح حول أهم الملفات بالنسبة لإيران: البرنامج النووي، والعلاقة مع الدول العربية، والتهديد الإسرائيلي بتصفية القضية الفلسطينية.
ما أتذكره جيدًا من ذلك اللقاء ليس فقط ما قيل، بل ما كان خلف الكلمات: أن المنطقة كلها تقف على خط زلزالي سياسي، وأن أي صراع كبير لن يتوقف عند حدود دولة واحدة، بل سيمتد ليشمل الجميع دون استثناء.
اليوم، وبعد سنوات طويلة من ذلك اللقاء، يبدو أن ما كان يُحذَّر منه يتحقق فعليًا. فالحرب التي تُدار اليوم لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل صراع مفتوح يهدد استقرار الخليج، ويضع المشرق العربي كله أمام احتمالات خطيرة، ويدخل الاقتصاد العالمي في دائرة قلق حقيقي، خصوصًا في ما يتعلق بأسواق الطاقة وحركة التجارة الدولية.
إن الخطر الداهم هو أن تتحول المنطقة إلى ساحة صراع يدفع ثمنها العرب قبل غيرهم، من الخليج إلى المحيط، أو أن يُكتب في صفحات التاريخ أن العرب وقفوا متفرجين وبلا موقف موحد على حرب تُدار في قلب منطقتهم وتمس أمنهم ومستقبل أجيالهم.
والموقف المطلوب ليس الانجرار إلى مزيد من التصعيد، بل امتلاك رؤية عربية متوازنة تحمي مصالح شعوب المنطقة، وتمنع تحويل الخلافات الإقليمية إلى حروب مفتوحة. فالعلاقة مع إيران، مهما كانت معقدة، تبقى علاقة جوار جغرافي وتاريخي لا يمكن تجاهله، وأي صراع شامل لن يخرج منه أحد منتصرًا، وأن العدو الحقيقي للجميع هو استمرار الاحتلال والصراع لا الاستقرار.
لقد دخلت المنطقة مرحلة لم يعد فيها الخطاب الانفعالي مفيدًا، ولم يعد الصمت مقبولًا. والمطلوب موقف عربي واضح يقوم على التهدئة والحوار وتحصين المنطقة من حرب قد تغيّر شكلها لعقود طويلة.
فالوقائع لم تعد نظرية، والآثار لم تعد محتملة، وإنما أصبحت معايشة. ويكفي أن ننظر إلى ما يحدث حولنا لندرك أن اللحظة التي نعيشها ليست عادية، وأن ما يُتخذ اليوم من مواقف سيظل حاضرًا في ذاكرة التاريخ.