صنعاء 19C امطار خفيفة

علي شريعتي.. المنطقة القلقة بين الحوزة والسوربون

بين يقين الحوزة المكتظة بأسلافها وأسئلة السوربون الضاجة بالحداثة، اختار المفكر الإيراني علي شريعتي الوقوف في تلك المساحة القلقة، محاولاً صياغة معادلة فكرية تمزج صرامة العلم بعباءة الماضي، وكان الرجل يسعى لاستحضار الروح النضالية للموروث، وتوظيفها كأداة لإعادة بناء الهوية المنهوبة، مع بقائه محافظاً على حدود النص المقدس دون تجاوزها، فقد دخل ورشة التاريخ يحمل أدوات "فانون" و"سارتر" بروح صحفي يطارد الحقيقة، مختاراً منطقة وسطى تجمع نقد الواقع الاجتماعي المنكسر إلى الانصياع الرمزي للمقدس الذي ظل في نظره محمياً من أي فحص جذري.

اقترح أن الإيمان حركة عدالة وأن قراءة نقدية للموروث تعيد الحيوية للتجربة الدينية، مكتفياً في التنفيذ بإعادة صياغة الرموز التاريخية دون تفكيك جوهر العقيدة، فأنجز ما يشبه إعادة تلوين التاريخ بفرشاة الثورة، تاركاً الإطار الأصلي ثابتاً في مكانه، وقسّم التشيع إلى نمط علوي يجسد روح الثورة، ونمط صفوي يجسد المؤسسة الرسمية، ساعياً لإيقاظ الوعي الاجتماعي مع الحفاظ على تماسك الجذور العقائدية، فكان يؤمن أن "كل ثورة في التاريخ تبدأ من الوعي قبل أن تبدأ من السلاح"، وهي قناعة جعلت من معركته فكرية في المقام الأول.

تتبدّى هذه الرؤية في استحضاره لثنائية التشيّع، حيث كان التقسيم عنده محاولة لضخّ الروح في الجسد الهامد، عبر يقينه بأن "الدين قوة هائلة إذا لم تتحول إلى حركة اجتماعية بقيت طقوساً بلا أثر"، ما يعكس رغبته في تحويل المعرفة الدينية إلى فعل حركي صرف، واستعار شريعتي مفهوم "النباهة" ليميز بين وعي يكرسه الجمود ووعي يستنهض الجماهير، معتبراً أن "الدين الذي لا ينفع الإنسان في حياته الدنيا لن ينقذه في الآخرة"، وهي رؤية تختزل رغبته في أنسنة المقدس وتوظيفه في معارك الأرض، وتجلى هذا الوقوف الحذر في استبداله مفاهيم السوسيولوجيا الغربية بمرادفات إيمانية، فصارت "الأمة" بديلاً عن المجتمع، و"الإمامة ليست سلطة دينية بل قيادة ثورية للأمة"، مما ثبّت الأفكار داخل سياق غيبي حال دون تحول النقد إلى معول يهدم البنى التحتية للموروث.

هذه المعادلة الطموحة توقفت عند قشرة البنية العميقة للمقدس، فظل النقد معرفياً محدوداً، والتحفيز الاجتماعي مقصوراً على شعارات التعبئة أكثر من تحقيق تحول حقيقي في الوعي، وكان الدين عنده أيديولوجيا للتحرر وصناعة الإنسان المسؤول، مع تجنب لمس بنيته التحتية، أو الاقتراب من تلك العتبة الوعرة التي يبدأ عندها النقد المعرفي الصارم، مستنداً إلى قناعته بأن "الإيمان مسؤولية في الواقع" لا مجرد فكرة في الذهن، وهي قناعة استخدمها لتحريك الشارع لا لإعادة فحص النص بعمق أكاديمي.

إشكالية شريعتي الأساسية تكمن في كونه معلماً للتعبئة الجماهيرية قبل أن يكون ناقداً بنيوياً، فخطابه بقي محصوراً في جسر يربط الواقع بالمقدس، يتيح إثارة الحماس لدى الشباب، ويمنع الاقتراب من الأعمدة القديمة التي تدعم السلطة الدينية، فكان يقول بزهو: "أنا أتكلم بلغة يفهمها الجيل الجديد ويخاف منها الحراس القدامى"، وأسهم ذلك في تحويل أفكاره إلى شعارات تلهب الحماسة، محافظاً على النصوص الدينية في حجمها الرمزي الغيبي، بعيداً عن أدوات المساءلة التي قد تخدش وجه القداسة وتكشف المسكوت عنه، فالمثقف عنده "ليس من يشرح العالم بل من يغيره"، مما جعل الغاية الحركية تسبق دائماً ضرورة المراجعة المعرفية.

وضعه موقفه الوسطي في مواجهة مزدوجة مع المؤسسة التقليدية المتوجسة من صبغته الحداثية، ومع النخبة المثقفة التي رأت فيه محاولة لإعادة تدوير الأفكار القديمة، ووجد شريعتي نفسه بين نرجسية المؤسسين الرافضين لتغيير القوالب الجاهزة، وارتباك الأتباع الباحثين في كلماته عن حلول سحرية، فصنع خطاباً شعبياً جذاباً يحذر من أن "أخطر أنواع الاستعمار هو استعمار العقول"، ويؤكد أن "الإنسان مسؤول عن مصيره، والتاريخ ليس قدراً أعمى"، ورغم ذلك ظل خطابه عاجزاً عن إحداث تحول ملموس في الفكر الصرف، ما أدى إلى خيبة أمل لدى الأتباع عند مواجهة واقع السلطة الجامد.

استقر شريعتي في الخريطة الفكرية كمثال على المفكر الذي يحرك الرموز ويعيد ترتيب التاريخ ببراعة، مختاراً عدم لمس جوهر المقدس، وتظل تجربته درساً في حدود الخطاب التعبوي، توضح كيف يمكن للوقوف في منتصف الطريق أن يحافظ على الشعبية ويثير الحماس، وفي الوقت نفسه يحد من قدرة الفكر على التأثير الحقيقي، ويترك المجتمع في دائرة مألوفة من الرموز غير القابلة للتغيير.

الكلمات الدلالية