صنعاء 19C امطار خفيفة

ترامب.. غرور القوة ووهم الانتصار

دفع الرئيس الأمريكي ترامب بأقوى قوة تمتلكها دولة في القرن الواحد والعشرين؛ لتطويق إيران: حاملة الطائرات، والبوارج الحربية، والأساطيل، والغواصات؛ منتظرًا استسلام النظام الشائخ والمتداعي بها، إلا أنه أُصيب بالفزع حدَّ الذعر من رفض القيادة الإيرانية الرضوخ.


تحت إغراء القوتين: الأمريكية والإسرائيلية، وربما معطيات اختراقات معينة سهَّلت القضاء على المرشد والقيادة الإيرانية، انتظر ترامب إشارة الاستسلام دون جدوى.
تمتلك إيران مقدرة الصبر الاستراتيجي، وذاكرة آلاف السنين من الوجود الحضاري، والخبرة الإنسانية، والذكاء المعرفي. ويمتلك ترامب قوة مكنة العصر الحديث الأكثر تدميرًا، والأقدر على خلق جحيم على الأرض، وجنوحًا للحرب والتدمير كما يتباهى؛ وهو ما ساعد على صنعه في حرب «إبادة غزة»، وفي «غزوة فنزويلا» وخطف رئيسها.
ولعل خطورة الرئيس الأمريكي أنه يعبر عن دعوته للسلام بحروب مدمرة، والأخطر رؤيته للكون وللكرة الأرضية كعقار أو سلعة، وللبشر كلا شيء. فالحياة البشرية كلها عنده بضاعة معروضة للبيع والشراء، والقوة الوسيلة المثلى للتملك. فهو لا يعرف شيئًا عن الحضارة، ولا عن تاريخ الأمم والشعوب، ولا عن المُثل والقيم الإنسانية؛ بل على الضد تمامًا. فهو بمعزل عما وصلت إليه البشرية من قيم الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وتحرر الشعوب واستقلالها.
ترامب ونتنياهو فاشيان من معسكر الإمبريالية والصهيونية، علمانيان يلبسان مسوح الإنجيلية الصهيونية، ويخوضان معركة الإمبريالية الآفلة.
تصوير الحرب على إيران وكأنها معركة إسرائيل، وليست أمريكا، قد لا يكون دقيقًا؛ فالصهيونية عقيدة الإمبريالية، وأقطابها في رأس الحزبين (الحزب الواحد): الجمهوري والديمقراطي.
والحرب، وإن كانت موجهة ضد إيران، إلا أن غايتها وأهدافها أبعد من ذلك. فالمنطقة والثروة العربية هدف رئيس ومباشر، وعدم اهتمام القواعد الأمريكية المنتشرة في طول الخليج وعرضه بالدفاع عن المنطقة ليس بلا معنى؛ ففيه إغراء لإيران لضرب القواعد الفارغة، وهو ما يشكل عدوانًا على جوار إيران العربي، ويستنزف قدرًا من قوتها، ويجر عليها غضب الدول العربية وحلفاء الخليج، وما أكثرهم، ويعطي انطباعًا زائفًا بأن المعركة في جانب منها بين العرب والفرس، وأن أمريكا تدافع عن حلفائها العرب.
الملمح الأهم: نجاح ترامب في التدمير وحروب الإبادة، وفشله الذريع في فرض الإرادة وتحقيق الأهداف.
تلميحات ترامب عن تدمير قدرات إيران، وتكرار التصريحات عن الانتصار، هو ما فعله في الحرب السابقة على إيران في حزيران العام الماضي؛ وهو مؤشر الاضطراب الذي يعيشه.
الدمار الذي لحق بإيران كبير، وبلبنان أكبر، والأخطر أن تتفاقم المخاطر في ظل الانقسام الداخلي اللبناني وغياب السند العربي أو الدولي.
صمود وعناد الشعب الإيراني، وتفاقم الأزمة الاقتصادية، والضغوط المتزايدة ضد ترامب، وتراجع التأييد الداخلي، والتحالف الأوروبي؛ كلها مؤشرات خسارة وفشل مخطط ترامب بالاستيلاء على «بقع» العالم بالقوة، وخيبة حلم الصهيوني نتنياهو في إقامة الدولة اليهودية الكبرى من النيل إلى الفرات.
الخليج العربي هو الخاسر الأكبر؛ لأن القواعد العسكرية التي استنزفت المليارات صارت تشكل عبئًا ثقيلًا وسببًا للدمار، وتحتاج إلى الحماية.

الكلمات الدلالية