البضاعة الرديئة
في الأسواق القديمة، كان الباعة يخفون العيوب تحت ألوانٍ فاقعة، ويبالغون في الصراخ كلما خافوا أن ينكشف الزيف. اليوم، لم تعد البضاعة قماشًا أو قمحًا… بل مواقف، وضمائر، وأصوات تُؤجَّر بالساعة.
ما نشهده من بعض الناشطين والإعلاميين اليمنيين المقيمين في الخليج ليس انفعالًا بريئًا ولا قراءةً سياسيةً ناضجة، بل صراخٌ مدفوع الثمن. يصرخون حين تُقصف إيران، ويتشنّجون، ويقدّمون أنفسهم جنودًا في معركةٍ لا تخصّهم، ليبرّروا اصطفافًا كاملًا مع العدو الصهيوني الأمريكي ضد إيران، ظنًّا منهم أن في ذلك إرضاءً لطرفٍ ما، أو استرضاءً لبلدٍ يقيمون فيه، أو طمعًا في حفنة مالٍ تسدّ جيباةوفراغًا داخليًا ..
لكن المفارقة أن تلك البلدان — وعلى رأسها المملكة العربية السعودية — ليست بحاجة إلى هذا الصراخ، ولا تتحرّك بهذه العقلية. خلال السنوات الخمس الأخيرة، اختارت الرياض طريق التفاوض مع إيران وغيرها، وبحثت عن تهدئةٍ تحفظ مصالحها وتقلّل من اشتعال المنطقة. لديها رؤية، ولديها برنامج، ولديها خطاب سياسي محسوب يتّسم بالهدوء والبراغماتية.
لم نرَ إعلامها الرسمي يتشفّى، ولا ناشطيها يرقصون على جراح الآخرين. بل كان الخطاب حين يصدر منضبطًا، عالميّ اللغة، حريصًا على حفظ ما تبقّى من استقرار في عالمٍ متشظٍّ.
فلماذا يزايد هؤلاء على أصحاب القرار أنفسهم؟
الحقيقة أن بعض هذه الأصوات لا تملك تاريخًا من الثبات. تلونت منذ مطلع الثورة الشبابية في اليمن 2011 فكانت مع هذا المعسكر ثم ذاك؛ مع الرئيس السابق، ثم مع الاشتراكية، ثم مع الانتقالي، ثم مع التحالف في حربه على اليمن تتحرك هذه الشخصيات الرديئوطة حيث تتحرك الريح، لا حيث تقف القيم. هؤلاء لا يدافعون عن الخليج، ولا عن اليمن، ولا عن الأمة؛ إنما يدافعون عن مواقعهم الهشة، ويبدّلون أقنعتهم كلما تغيّر الضوء.
في المقابل، حين ننظر إلى النقاشات في أوروبا أو أستراليا أو حتى داخل الولايات المتحدة، نجد أصواتًا رغم اختلافنا معها تتحدث بعقلانية، تحتجّ على الحروب، وتفصل بين الشعوب والأنظمة، وترفض أن يكون العالم حلبة تصفية حسابات أيديولوجية. بينما هنا، يتحول الخطاب إلى عويلٍ سياسي، وإلى مزايدات لا تخدم إلا مزيدًا من الانقسام.
إن تصوير إيران كأنها شرٌّ كونيٌّ مطلق، أو اعتبارها قضيةً كونية تتقدّم على كل جراح المنطقة، ليس قراءةً متوازنة. إيران كالهند، أو الفاتيكان، أوبعض دولٍ أفريقيةٍ متعددة الهويات ( كيانٌ له خصوصيته) وتعقيداته. يُحاسَب حين يعتدي، ويُنتقد حين يتدخل، لكن لا يُختزل في خطاب تعبويّ يخدم أجندة لحظة.
وفي المقابل، فإن تمجيد الولايات المتحدة الأمريكية بوصفها حامية العالم الحرّ يتجاهل تاريخًا مثقلًا من إبادة السكان الأصليين، إلى حربها في فيتنام، إلى أفغانستان، إلى العراق، إلى الدعم غير المشروط لحروبٍ أحرقت مدنًا كاملة وقتلت آلاف الأطفال في غزة. هذا ليس خطاب كراهية، بل تذكيرٌ بأن السياسة الدولية ليست ملائكية، وأن الاصطفاف الأعمى لا يصنع سلامًا.
البضاعة لا تُقاس بالكرتونة حين تكون محكمة الشكل ، بل بطريقة إنتاجها وصاحبتها و بمدى هشاشتها عند أول اختبار. وهؤلاء، مهما صرخوا، سيبقون في نظر الدول التي يظنون أنهم يخدمونها مجرّد أدوات مؤقتة؛ يُستفاد منها حين الحاجة، وتُستبدل حين تنتهي صلاحيتها. لأن الدول تعرف أبناءها، وتعرف أيضًا الفرق بين الحليف الصادق والمرتزق المتحمّس.
المشكلة ليست في الاختلاف مع إيران أو غيرها، ولا في تأييد هذا الطرف أو ذاك؛ المشكلة في بيع الموقف كسلعة، وفي اختزال مصير المنطقة في تغريدةٍ مأجورة، أو في مقطعٍ مصوَّر يبحث عن تمويل. السلام لا يُبنى بالصراخ، ولا يُحمى بالارتماء في أحضان قوةٍ كبرى ضد أخرى، بل يُبنى بعقلٍ بارد، ومصلحةٍ وطنية واضحة، وكرامةٍ لا تُشترى.
أما البضاعة الرديئة… فمصيرها دائمًا سلة المهملات، مهما أُحكم تغليفها.