حين تتحول القضية إلى شخص
تتردد أنباء عن عراك بالسكاكين في ردفان بين مناصرين حاولوا حماية صورة، وآخرين حاولوا إنزالها. قد يختلف الناس حول دقة التفاصيل، لكن الثابت أن المناخ المشحون قابل للاشتعال. وهنا يبرز السؤال المؤلم: هل وصل بنا الحال أن نتقاتل من أجل صورة؟ ومن أجل شخص؟
عندما يُختزل مشروع سياسي كامل في اسم واحد، مثل عيدروس الزبيدي، فإننا لا نمنحه قوة إضافية، بل نضعف الفكرة نفسها. القضايا الوطنية لا تُختصر في الأفراد، مهما علت مكانتهم أو اشتدت شعبيتهم. الأشخاص أدوات في خدمة المشروع، وليس المشروع تابعًا لوجودهم.
القضية الجنوبية لم تولد مع شخص، ولن تموت بغيابه. هي حصيلة تاريخ طويل من الشعور بالظلم، وتراكم المطالب، وتضحيات جسام قدمها أبناء الجنوب من كل المحافظات، لا من منطقة بعينها ولا من فئة محددة. من غير العدل -ولا الحكمة- أن تُرهن كل هذه التضحيات بشخص، أو أن يُعامل السؤال عنه وكأنه خروج عن الصف.
السؤال ليس خيانة. السؤال وعي. السؤال حماية للقضية من التحول إلى حالة تقديس. فالسياسة تقوم على المساءلة، والقيادات تُسأل عن أدوارها ومواقفها ووجودها وتأثيرها. أما حين يُكسر قلم السؤال، فإننا نؤسس لمرحلة أخطر من الخلاف: مرحلة الاصطفاف الأعمى.
الأخطر من ذلك هو البعد المناطقي الذي تسلل إلى الوعي الجمعي. حين يُنظر إلى القيادة باعتبارها "حقًا حصريًا" لمنطقة أو "مثلث" أو جماعة، فإننا نعيد إنتاج ذات العقلية التي ثار عليها الناس. الجنوب أكبر من أن يُحتكر، وأوسع من أن يُختزل، وأعمق من أن يُختصر في رمز مهما كان.
لقد قدم الجنوب قوافل من الشهداء، لا من أجل شخص، بل من أجل كرامة وحق وهوية. ومن الظلم لتلك الدماء أن تتحول القضية إلى معارك بين أبناء البيت الواحد، أو إلى سكاكين تُشهر دفاعًا عن صورة.
القضية التي تخاف من النقد تضعف. والقيادة التي تُبنى على التقديس لا على الأداء، سرعان ما تصبح عبئًا على المشروع الذي تمثله. إن كسر حاجز الصنم ليس استهدافًا لأحد، بل حماية للجميع. حماية للقضية من الانغلاق، وللمجتمع من الانقسام، وللسياسة من الانزلاق إلى العنف.
نحن أمام مفترق طريق: إما أن نرتقي بالقضية إلى مستوى الدولة والمؤسسات والتداول، أو نُبقيها أسيرة الأسماء والهتافات والانفعالات. وفي الطريق الثاني، لا أحد ينتصر… والجميع يخسر.