العرب وعنق الزجاجة: بين خطاب النجاة واستحقاقات الوحدة
لم يسبق أن وجد العرب أنفسهم في لحظة تاريخية أشدّ التباسًا من هذه اللحظة. أزمات ممتدة، دول تتآكل من الداخل، صراعات إقليمية تتقاطع فوق خرائطهم، واقتصادات مرهَقة لا تحتمل مزيدًا من الارتباك. إنها لحظة "عنق الزجاجة" بكل ما تحمله العبارة من ضيق الخيارات وضغط الزمن.
غير أن الحديث عن المأزق لا يكفي. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تنقرض لأنها ضعيفة فقط، بل لأنها تفشل في إدراك لحظة التحول ولا تحسن إدارتها. العرب اليوم ليسوا أقل عددًا، ولا أقل موارد، ولا أقل موقعًا جغرافيًا من أمم نهضت من تحت الركام. لكنهم أقل اتفاقًا، وأشد انقسامًا، وأكثر استنزافًا في صراعاتهم البينية.
الوحدة هنا لا ينبغي أن تُفهم كشعار عاطفي أو حنين إلى خطابات الستينيات، بل كضرورة وظيفية. وحدة الموقف في القضايا المصيرية، تكامل اقتصادي حقيقي، تنسيق أمني يحفظ الاستقرار، ومؤسسات إقليمية فاعلة تتجاوز البيانات الإنشائية. في عالم التكتلات الكبرى، من الاتحاد الأوروبي إلى رابطة دول جنوب شرق آسيا، لم يعد البقاء ممكنًا للدول المتفرقة التي تظن أن بإمكانها مواجهة العواصف منفردة.
إن الخوف من "الانقراض" ليس مبالغة، بل تحذير رمزي من التفكك، من تحوّل الدول إلى ساحات نفوذ، ومن تحوّل المواطن العربي إلى لاجئ دائم في جغرافيا الآخرين. فالأوطان لا تضيع فجأة، بل تتآكل تدريجيًا حين تُستبدل الأولويات الكبرى بحسابات ضيقة.
لكن الوحدة لا تُفرض من أعلى، ولا تُبنى بالخطابات وحدها. إنها تبدأ بإصلاح الداخل، بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، ببناء الثقة، واحترام التنوع، وتحييد الخلافات الثانوية أمام المخاطر الوجودية.
ربما لا يكون الطريق سهلًا، وربما لا تكون الوحدة الشاملة ممكنة في المدى القريب، لكن الحد الأدنى من التضامن الفعّال لم يعد خيارًا ترفيًا. إنه شرط البقاء.
العرب في عنق الزجاجة نعم، لكن الزجاجة ليست قدرًا مغلقًا. الخروج منها مرهون بقدرتهم على إدراك أن قوتهم في تكاملهم، وأن ضعفهم في تشرذمهم، وأن المستقبل لا ينتظر المترددين.