بين العاطفة والوعي… شعرة سذاجة
هناك لحظات في حياة الشعوب تكشف الفارق بين العاطفة والوعي.
العاطفة قد تحشد الجموع، لكن الوعي وحده هو الذي يحمي المصير.
حين يخرج الناس لتجديد التفويض لـ عيدروس الزبيدي، فمن حقهم أن يفعلوا ذلك إن كانوا مقتنعين بمشروعه. لكن من حقهم ـ بل من واجبهم ـ قبل ذلك أن يسألوا: أين هو؟ ما موقعه اليوم؟ ما هي صلاحياته الفعلية؟ وما الذي تحقق من التفويض السابق؟
القضية ليست شخصًا بقدر ما هي مبدأ.
التفويض في السياسة ليس بيعة أبدية، ولا صكًا مفتوحًا بلا مساءلة. التفويض عقدٌ بين شعب وقيادة، والعقد لا يستمر إذا غاب أحد طرفيه عن المشهد أو عن المحاسبة.
المشكلة ليست في الحب أو الولاء، بل في تحويل السياسة إلى علاقة عاطفية لا تقبل السؤال. الشعوب التي لا تسأل عن قادتها، ولا تطالبهم بتوضيح مواقفهم، ولا تعرف أين يقفون في لحظات التحول الكبرى، تفتح الباب لفراغ خطير يُملأ بالشائعات والتأويلات.
السؤال عن مصير القائد ليس خيانة.
السؤال عن موقعه ليس تمردًا.
السؤال عن نتائج التفويض السابق ليس إساءة.
بل هو الحد الأدنى من الوعي السياسي.
إذا كان التفويض الأول قد مُنح على أساس برنامج أو وعود، فأين تقييم تلك المرحلة؟ ماذا تحقق؟ ماذا تعثر؟ ما هي الظروف التي تغيرت؟ وأين يقف القائد اليوم من تلك المتغيرات؟
التجمهر سهل.
الهتاف أسهل.
أما المحاسبة فشجاعة.
الشعوب التي تريد مشروع دولة لا تبنيها بالصور والشعارات، بل بالمؤسسات، بالشفافية، وبحق السؤال. لأن القائد ـ أي قائد ـ يستمد شرعيته من حضوره الفعلي، ووضوح موقفه، واستعداده للمساءلة، لا من عاطفة جماهير لا تعرف أين يقف بالضبط.
المعادلة بسيطة:
إن كنتم تجددون التفويض عن قناعة، فطالبوا أولًا بوضوح المشهد.
وإن كنتم تتحركون بدافع العاطفة، فتذكروا أن السياسة لا ترحم الساذجين.
الوعي ليس ترفًا… بل ضمانة ألا يُراهن الناس على فراغ.