صنعاء 19C امطار خفيفة

أمي سيدة

أمي سيدة كانت صديقة جدتي أم والدي (رحمهما الله تعالى)، كانت كأنها فرد من عائلتنا الكبيرة، تمكث عندنا أحيانًا شهورًا، وأحيانًا أسابيع.


فقد كانت أرملة، وأبناؤها كبار وناجحون ومشغولون بحياتهم. أظنها توفيت وعمري 13 أو 14 عامًا! أما متى عرفتها فأنا لا أذكر، إلا أنني أعرفها منذ الطفولة.
تلك المرأة تخطر في بالي كثيرًا في الفترة الأخيرة، كلما قرأت عن الطب البديل أو بالأحرى الطب الأصيل والحقيقي.


كانت السمة المميزة لها -حتى اليوم- هي بطؤها وتمهلها الشديد (كانت تذكرني بالسلحفاة).
وفيها شيء من شكل وروح الفنانة الجميلة كريمة مختار وطيبتها.
مازلت أتذكرها وهي تمضي أوقاتًا غير قليلة في بستان منزلنا (منزل جدي، رحمه الله)، تستخلص بهدوء وحرفية الصمغ من بعض الأشجار!
تزرع (الشذاب)، ثم تهتم به، وأظنها كانت تتحدث معه! كل ما كانت تتعامل معه من أعشاب، كانت تعامله كأنه روح تبادلها التفاعل، تمنحه حقه من الاهتمام والوقت، كأن كل ورقة مهمة لديها.

لا أتذكر لماذا كنت أضيق ذرعًا ببطئها (ربما كانت جدتي ترسلني لها كي أحصل على شيء من البستان)، ولكني أتذكر جيدًا ردودها، وحتى لكنتها المميزة، وهي تقول لي: راااعي يا بنتي مالش مستعجلة.
تلك المرأة كانت مختلفة عن الجميع في شيء ما، وكانت (معالجة) بالأعشاب، بل كانت في الواقع (طبيبة عظام تفهم الهيكل العظمي للإنسان، وتمارس العلاج الناجع)، وتصنع الدواء بنفسها بعد أن تجمع مواده بيديها، وربما زرعت أو أشرفت على زراعة مواده أيضًا بنفسها.
كانت تطهو على النار بعض المواد لمدة أيام على موقد النار، ثم تجمعها في أوعية صغيرة محكمة الإغلاق بعد أن تحولها لدهانات متنوعة.

دهانات بيضاء كانت (بعض مكوناتها) الشمع البلدي والكركم، وبعد طباختها تصبح كريمًا تدهن به. وهذا كانت تستخدمه للكسر الذي جبر بطريقة خطأ، تدهن به العظام، ويفك الكسر بعد ذلك تمامًا! وكانت مثلًا تمنع أكل العسل البلدي للمصاب بالكسور، لأن العسل (حار)، وهذا لا يساعد على التئام الكسور، بينما تنصح بشرب البيض النيئ لأنه يحتوي على كالسيوم.

أما الدهان الأسود فكان يطبخ على نار هادئة لمدة قد تصل إلى أسبوعين، وهو (كريم)، لكنها لا تضعه على الجلد مباشرة أبدًا، بل تضع قبله عدة لفات من الشاش، وتستخدمه لجبر الكسور، وبمجرد أن يتعرض الدهان للهواء كان يتحول إلى مادة صلبة تشبه الجبس أو الزفلت، ومن الصعب جدًا كسره.
أيضًا كان معها الدهان الأحمر للأورام والالتهابات.
بالطبع لم أكن أدرك في طفولتي قدر تلك المرأة العلمي، مع أني كنت أحبها فعلًا، لكنني كنت أعتقدها ربما عجوزًا جاهلة تحب ملء وقتها بتلك النشاطات قليلة الفائدة!

عمومًا، لم أنشغل بالتفكير بها كثيرًا. لكن قبل أعوام عرفت عنها قصصًا مثيرة للاهتمام والإعجاب معًا! مثلًا أصيب عمي الدكتور عباس في طفولته بكسر كامل في يده، وعالجت هي الكسر تمامًا، ثم أصيب بكسر في ساقه حين كان يؤدي خدمة التجنيد الإجباري، فعمل له المستشفى (جبس)، لكن الجبس للأسف كان خطأ!
تصادف في تلك الفترة أن هناك طبيبًا ألمانيًا كان يزور اليمن، وكان صديقًا لوالدي أو لجدي ربما (لا أتذكر)، حين كشف على ساق عمي أخبره أن الجبس خطأ، وأن حالته للأسف قد تحتاج إلى عملية جراحية لتصحيح الخطأ!
لكن كانت عندنا تلك الفترة (أمي سيدة)، وفكوا الجبس، وقررت أن تداوي ساق عمي هي بعلاجاتها الطبيعية (وفق برنامج محدد).
وفعلًا تعافى عمي، وعادت ساقه سليمة، والحمد لله، وحين عاد الطبيب الألماني لزيارة عمي قبل سفره ربما، وحثه على إجراء العملية، اندهش بقوة لأن الساق تعافت بلا جراحة!
حين علم أن من عالجته هي أمي سيدة! طلب أن يتحدث معها ويعرف سر الخلطات وما تحتويه؛لكن أمي سيدة اعتذرت بحزم، وشرحت له أنها تعلمت سر العلاج كله من زوجها الذي توفاه الله، وهو تعلم السر من أحد بدو الجوف الذي (كافأ زوجها على خدمة قدمها له أو جميل ما)، ونصحه بأن يحتفظ بالأسرار (عشان ما أحد يزق عليه المهرة)، وهو حين علم زوجته كانت حريصة جدًا على أن تحتفظ بحقوق الملكية وسر المهنة مثله.
حتى إنها كانت لا تفعل الخلطة كاملة أمام أحد أبدًا، كي لا يسرقها منها.

وهذا يذكرنا بسياسة حقوق الملكية و الاحتكار التي يتبناها الغرب، ومع أن القانون يمنع احتكار الشركة المنتجة للدواء مثلًا بعد 30 عامًا، إلا أن الشركة المنتجة تبقى تحصل للأبد على نسبة معينة من كل منتج أنتجته هي، وهذا بالتالي كان تفكيرًا ذكيًا ومتقدمًا من زوجها ومنها، ولو استثمرته أسرتهم وسجلوا براءة اختراع في بلد متقدم حينها، ربما أنهم الآن من أثرياء العالم!
فقد كانت العلاجات التي تصنعها ناجعة وبلا آثار جانبية سلبية، وكانت تعالج الكسور بلا عمليات جراحية.
يقول عمي الدكتور عباس إنه شهد حالات كانت تعالجهم (عوص أو انحرافات في العظام) بطريقة احترافية وسلاسة بطريقة تشبه السحر! ومنهم والدي رحمه الله الذي عالجت انحراف كعكة ركبته دون جراحة!
برأيي إن الفرق الأهم بين شركات الأدوية الغربية والمعالجين الشعبيين (بالإضافة إلى الآثار السلبية لأغلب الأدوية) أن المعالجين كانوا يطلبون مقابلًا ماديًا معقولًا جدًا نظير خدماتهم التي يقدمونها، وكان عندهم ضمير إذا كان الشخص معدمًا أو فقيرًا.
بينما شركات الأدوية اليوم جشعة جدًا، وقد تصنع المرض فعلًا كي تجبرك على شراء دوائها أو إدمانه.
ناهيك عن إخلاص الطبيب الشعبي وتعامله مع المريض باهتمام وتركيز لفهمه جيدًا، فهو حالة خاصة يحتاج لعلاج حقيقي لمرضه ودون أن يتسبب العلاج في إلحاق الضرر بجوانب أخرى في جسمه وأعضائه، بينما الطب الغربي يتعامل مع المرضى بمنطق السوق، وبيع منتجات المصنع الذي ينتج كميات مهولة من أي دواء، يعني المريض عندهم مجرد (زبون) ورقم، ليس حالة إنسانية خاصة مختلفة عن غيرها.

الطب الغربي كما يقال يستهدف الأعراض، ولا يهتم لعلاج المرض نفسه، وسبب المرض، بل إن الحقيقة أسوأ بحسب اعتراف وزير الصحة الأمريكي الذي صرح مؤخرًا بأن النظام الصحي عندهم يقوم على خلق زبون دائم، ولا يقدم علاجًا حقيقيًا.
وبحسب ما علمت أن أمي سيدة حاولت أن تعلم ابنتها وأبناءها العلم هذا، لكنهم للأسف كانوا (أبناء عصرهم)، وكانوا قد آمنوا بالطب الغربي والمستشفيات وشركات الأدوية.
كما أنهم لم يكونوا محتاجين ماديًا، لأنهم حققوا نجاحات في دراستهم ثم حياتهم العملية، ولهذا لم يهتموا بالتعلم منها.
حين ماتت أمي سيدة حزنت عليها، فقد كنت أحبها (مع أن بطأها الشديد حتى في الكلام) كان يستفزني.
ولكني أدركت مؤخرًا أن ذلك التروي والبطء والتمهل هو جزء من ثقافتها، ومن أسلوب حياتها، بل أيضًا من أساليب علاجها للآخرين.
فالعجلة مرض، وهي سمة عصرنا الذي ظهرت فيه أمراض الاكتئاب والسرطانات والأمراض المناعية والحساسية.
قبل أن تتوفى جدتي رحمها الله بأيام، رأت في منامها صديقتها (أمي سيدة) في بستان منزلنا، وكأنها تنتظرها كما كانت عادتهما في قضاء بعض الوقت بين الأشجار للاهتمام بها.
اتضح أنها جاءت لتأخذها معها للحياة الدائمة. رحمة الله تغشاهما وتغشى كل موتانا.
وشكرًا لعمي العزيز الدكتور عباس زيد الذي أثرى هذا المقال بالتفاصيل المهمة والجميلة.

الكلمات الدلالية