الإباضية.. المنطقة الرمادية من الإسلام
الإباضية طائفة لا ترفع السيف لتقنعك ولا ترفع المصحف لتخدعك. تيار مبكر تشكل على حواف الفتنة الكبرى واختار إيقاعاً أقل صخباً في زمن كانت فيه الأصوات العالية طريق النجاة. فرع آثر البقاء على الشجرة يراقب ما يجري من مسافة. يتحسسون من وصفهم بـ "الخوارج" مع أن الذاكرة التاريخية ألقت عليهم اللقب كأب لا يكف عن تذكير أبنائه بأخطائهم الأولى.
قرروا البقاء في منتصف النار دون أن يحترقوا، وتموضعوا بين تيارات متصارعة. ابتعدوا عن التشيع بما يحمله من تصور للعصمة، وعن الاتجاهات السنية المرتبطة بشرعنة الحكم، وعن فرق الخوارج المتشددة التي وسعت دائرة التكفير.
تبلورت الإباضية كتدين منضبط داخل جماعة مشدودة بخيط خفي، العلاقة مع الله مباشرة والمسؤولية الأخلاقية شخصية. هذا الموقع الوسطي وضعهم في منطقة رمادية لا يراها أحد بوضوح. الإباضي يظهر خارج الاصطفافات الكبرى ويعيش تدينه كمشروع شخصي، كفرقة موسيقية تعزف في قاعة فارغة، الموسيقى موجودة حتى حين يغيب السامعون.
تعود البدايات إلى عبدالله بن إباض الذي ارتبط اسمه بالتسمية، وإلى جابر بن زيد الذي ساهم في البناء الفقهي المبكر، ومع ذلك ظل التصنيف الخارجي يلاحقهم كظل طويل. بعض كتب الفرق رأت فيهم بقايا من الخوارج، فاستقبلوا التسمية بابتسامة المثقف حين تتحول كلمة ملتبسة إلى تهمة جاهزة، واستمر الظل التاريخي رغم التمايز في الرؤية والممارسة.
في تنظيمهم حافظت الإباضية على بنية واضحة، يتقدم الإمام كقلب للجماعة، السلطة مقيدة بالعدل والصلاح، والولاء يتشكل كشبكة ثقة أكثر منه خضوعاً، كأن الجماعة حقل صغير يعرف حدوده ويحرس توازنه. العدل والمساواة ليسا شعارين مرتفعين وإنما إيقاعاً يومياً يحفظ استقرار العيش المشترك.
في العقيدة يقفون في مساحة بينية داخل الكلام الإسلامي، يقتربون من العقل حين يلزم ويستندون إلى النص حين يطلب، مقاربة حذرة تحافظ على توازن هش. الإيمان حالة متحركة مرتبطة بالفعل والسلوك، مع تمييز بين كفر الشرك وكفر النعمة يترك باب الانتماء موارباً، ويخفف من حواف الإقصاء التي حفرت أخاديد عميقة في بيئات أخرى.
امتدت جذورهم من عُمان إلى شمال أفريقيا وشرقها وظهرت لهم كيانات سياسية كان أبرزها الدولة الرستمية في المغرب الأوسط، ثم استقروا في زنجبار وشرق أفريقيا. مسار جغرافي يشبه هجرة بطيئة لفكرة تبحث عن تربة قابلة للحياة. خاضوا صراعات محدودة بقدر ما تسمح به الضرورة، مع ميل عام إلى خفض منسوب العنف داخل الجماعة الإسلامية الواسعة.
صنعوا تجربة سياسية هادئة وتراجعوا بصمت أمام التحولات الكبرى. وحتى عند الاختلاف مع الآخرين مالوا إلى الحد الأدنى من الصراع. براغماتيون بطريقة روحية يعيشون على حواف التاريخ دون طلب اعتراف أو شهادات حسن سلوك، يحافظون على مذهبهم كما يحافظ البحار على علاقته بالبحر في احترام وحذر وطمأنينة.
الإباضية مسار إسلامي رأى في الاعتدال طريقة بقاء أكثر منه خطاب فضيلة، إدراك مبكر أن الهدوء أقدر على العبور من الصراخ، وأن الأفكار التي تتنفس ببطء تعيش أطول. هكذا بقي أثرهم ممتداً كخط خافت في رمل التاريخ، حضور لا يعلن نفسه بقدر ما يستمر.