صنعاء 19C امطار خفيفة

كيف تم إقناع اليمنيين بأن تدمير بلدهم هو خير لهم؟

(مقال في حوار)

هل من المعقول إقناع شعب بأن تدمير بلده يصب في مصلحته؟

من واقع التجربة اليمنية، نعم، ويرجع ذلك إلى طبيعة الإنسان، فكما تؤكد الدراسات العلمية والخبرة البشرية، فالإنسان بشكل عام هو كائن غير عقلاني في تحديد مواقفه وسلوكه. حيث أن دوافعه لا تحكمهما بالدرجة الأولى المصلحة أو العقل أو المنطق، بل تتحكم فيها الغرائز البدائية والانفعالات والعواطف. ولهذا يمكن التأثير عليه والتلاعب به بسهولة إذا توفرت الوسائل والإمكانات اللازمة لذلك.

هل هذه القابلية للتأثر تنطبق على شعوب معينة دون غيرها؟
هذه القابلية تنطبق على كل الشعوب، بغض النظر عن مستوى تطورها الحضاري. الفارق نسبي فقط. وما حدث في ألمانيا مع النازية ويحدث بشكل من الأشكال اليوم في الولايات المتحدة يُثبت أن المجتمعات التي نظن أنها محصنة ضد الأفكار غير العقلانية ليست كذلك.
كيف نترجم ذلك على الحالة اليمنية؟
في اليمن، نجد أن غالبية اليمنيين اليوم، بمن فيهم النخب، يؤيدون سرديات تؤدي عمليًا إلى تدمير الدولة اليمنية. السبب الرئيس في ذلك هو غياب السردية الوطنية التي تحمي الدولة وتوفر مناعة فكرية في مواجهة سرديات الهدم.
وكيف ازدهرت سرديات الهدم؟
ازدهرت لأنها وجدت تمويلًا سخيًا، خاصة من خارج اليمن، كما حظيت برعاية رسمية بعد تولي الرئيس هادي الحكم، إضافة إلى دعم سياسي وثقافي من النخب بعد خروج صالح. كما أنها قُدمت بصورة أخلاقية، خاصة للمهتمين بقضايا الحقوق والحريات، فظهرت وكأنها سرديات نافعة لحل مظلوميات كـ "مظالم الجنوب" و "مظالم صعدة"، والتي جرى، صنعها بإتقان أو تضخيمها. ولم يتم كشف أن الحلول المطروحة لهذه المظلوميات المزعومة ستؤدي إلى تدمير الجمهورية اليمنية.
ما أبرز السرديات الهدامة؟
أهمها سردية الانفصال، التي ترى أن المشكلة الأصلية في اليمن هي قيام الجمهورية اليمنية، وأن الحل يبدأ بإنهائها والعودة إلى ما قبل الوحدة. هذه السردية تبدو في ظاهرها منطقية وأخلاقية وشرعية، مما سهّل تسويقها عبر تمويل ضخم وتفريغ كتاب ومثقفين للترويج لها، ولم يقتصر مؤيدوها على الجنوبيين، بل شملت شماليين، خاصة من اليساريين والحقوقيين والليبراليين، إضافة إلى الحوثيين.
وماذا عن سردية الفيدرالية أو الأقاليم؟
هذه السردية أكثر جاذبية وإغراءً. تقوم على فكرة أن مشكلة اليمن تكمن في هيمنة منطقة ما، (الشماليين ، الهضبة ، المثلث) على الحكم والثروة، وأن الحل هو إنهاء الدولة بصيغتها الحالية وتقسيمها إلى أقاليم، تحصر المهيمنين في مناطقهم. ولسوء حظ اليمن، أن هذه الأفكار الخبيثة تبنتها سلطة ما بعد 2012، ودعمتها الدول المتدخلة في شؤون اليمن، والمنظمات الحقوقية والأمم المتحدة، وتم صياغة مفرداتها في مؤتمر الحوار الوطني، والذي كان بمثابة جسر شرعي لتفكيك الدولة، وإظهار ذلك التفكيك وكأنه تم برضا جميع اليمنيين.
ما القاعدة العامة التي تحكم انتشار مثل هذه الأفكار؟
أي فكرة، خيرة كانت أم شريرة، إذا وجدت من يرعاها ويمولها ويروج لها، فإنها تزدهر وتجد مؤمنين مخلصين بها. هذه بديهية في علم السياسة والدعاية والإعلام؛ فالنازية مثلًا كانت فكرة عنصرية قبيحة، لكنها حين وجدت دولة وحزبًا وسلطة تتبناها، أصبح لها مؤمنون كُثر. وكذلك الشيوعية والحركات القومية المتعصبة والحركات الدينية المنغلقة. وهناك حقيقة راسخة أي فكرة شريرة، ما لم تُحارب وتُقاوم، فإنها تزدهر وتبدو وكأنها فكرة خيّرة.
كيف تم تضليل اليمنيين فيما يتعلق بالسردية الانفصالية تحديدًا؟
جرى تضليلهم بالمصطلحات، فقيل إن "الانفصال حق"، رغم أن أي حركة انفصالية في دولة هشة هي بذرة فوضى وحروب وتدخلات خارجية ضارة، كما حدث في اليمن ودول أخرى عديدة؛ فحالات الانفصال المخملية، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا، نادرة واستثنائية. ووفقا لذلك، فالانفصال هو أم الجرائم وليس حق شرعي. لكن بالدعاية الضخمة تحول إلى حق.
وما طبيعة المشروع الانفصالي في اليمن؟
مشروع لشر مطلق، لأنه أدى إلى تفكيك الدولة، إضافة إلى أنه مشروع عنصري قائم على كراهية الشماليين، ورغبة أقلية صغيرة السيطرة على المحافظات الجنوبية. فالعنصرية مورست كسلوك ممنهج ضد الشماليين بعد أن سيطر الانفصاليين على بعض محافظات الجنوب. وسيطرت أقلية من جغرافية معينة على تلك المحافظات. إضافة إلى ذلك المشروع الانفصالي فتح الباب أمام التدخلات الخارجية الضارة.
ومع ذلك، استمر الكثير من اليمنيين وبالذات المثقفين في تبرير الانفصال بحجة المظلومية.
وهل سردية الفيدرالية مختلفة؟
سردية الفدرالية تقوم على العزلة، وكراهية سكان المناطق التي يتم تصويرها بالمناطق المهيمنة. وهي بذلك مرشحة للتحول إلى مشروع عنصري عدواني جهوي، ولبذرة صراع دائم، كما أنها تفتح الباب واسعًا للتدخل الخارجي، لأن كل إقليم سيتشكل سيبحث عن داعم خارجي ضد الآخر.
لماذا ازدهرت سرديات الهدم؟
لأنها تعمل منذ 2012 في فراغ كامل؛ لا سلطة تتبنى سردية المحافظة على الدولة، ولا نخب أو أحزاب تتصدى لها بطرح وطني جامع. وحتى من يعارضها يفعل ذلك بدوافع حزبية أو جهوية. لا توجد حركة منظمة تتبنى سردية وطنية واضحة، باستثناء كتابات فردية هنا وهناك.
ما المطلوب إذن؟
المطلوب أن يدرك المتضررون – وهم 99% من الشعب اليمني – أن مشروع بقاء اليمن دولة واحدة مستقرة هو مشروعهم الأهم، فهذا المشروع هو للحاضر والمستقبل، لكنه يتيم اليوم، لأنه لا يجد دعمًا ولا تمويلًا ولا رعاية. وهذا المشروع لا يمكن أن يدعم من الخارج.
لماذا لا يمكن الاعتماد على الخارج؟
لأن كل الأطراف المتدخلة في الشأن اليمني تريد يمن ضعيف ومفكك يسهل السيطرة عليه كاملا أو جزئيا واستخدامه كساحة لصراعاتها.
كيف يمكن كشف زيف السرديات الهدامة؟
يمكن بسهولة كشف زيفها إذا توفرت موارد صغيرة لصياغة سردية وطنية، فالحقيقة لا تحتاج إلى موارد ضخمة لترويجها. فألف دولار يكفي لكشف زيف سردية ينفق عليها بمليون دولار، لأن الزيف يحتاج إلى دعاية كثيفة ومستمرة، بينما الحقيقة تُظهر نفسها بسهولة وبأقل التكاليف، لكن هذا العمل لا يتم بدون فعل وموارد.
خذ مثلا مصطلح "فك الارتباط". هذا المصطلح لا يستقيم قانونيًا مع حالة الوحدة الاندماجية اليمنية التي ألغت الدولتين ودمجتهما في دولة واحدة. فلم يعد هناك كيانان شرعيان يمكن أن يفك أحدهما ارتباطه بالآخر من يوم إعلان الوحدة. ونفس الزيف ينسحب على مصطلح"حق تقرير المصير" وغيرها، فهذه المصطلحات يمكن كشف زيفها بسهولة إذا توفر 1% مما ينفق على السردية الانفصالية، لكن طغيان السردية الانفصالية جعل هذه المصطلحات تبدو صحيحة.
ما الخلاصة الأساسية؟
أي سردية هدامة إذا مُنحت موارد وسلطة، تصبح شرعية ومقبولة. وأي سردية بناءة، إذا تُركت دون دعم، تضعف مهما كانت خيرة وصحيحة. مشروع بقاء اليمن دولة واحدة مستقرة هو مشروع كل اليمنيين، لكنه لن ينتصر إلا إذا تبناه اليمنيون أنفسهم، ودعموه بمواردهم وإرادتهم، دون الاتكاء على أي طرف خارجي.

الكلمات الدلالية