صنعاء 19C امطار خفيفة

عقول تُفسد الحلول

لم تكن مشكلتنا يومًا في غياب الحلول، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها.
كل محطة مفصلية في تاريخنا قُدِّمت باعتبارها الخلاص النهائي، ثم ما لبثت أن تحولت إلى مأزق جديد. كأننا لا نعاني من نقص في الأفكار، بل من خلل في العقل الذي يديرها.


كان الاستقلال عن بريطانيا حلمًا مشروعًا، ونهاية طبيعية لمرحلة استعمارية طويلة. لكنه لم يتحول إلى مشروع وطني يحتضن التنوع، بل انزلق إلى صراعات داخلية أجهضت روح التعدد، خصوصًا في ظل تجربة جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية التي أكلتها الانقسامات وأضعفتها تصفية الحسابات.
ثم جاءت الوحدة مع الجمهورية العربية اليمنية بوصفها تتويجًا لحلم قومي كبير. غير أن الحلم سرعان ما انكسر على صخرة الهيمنة وسوء إدارة الشراكة، فتحول الخلاف السياسي من صراع بين سلطتين إلى انقسام داخل المجتمع ذاته، ودخلت البلاد في طور جديد من الإقصاء والاحتقان.
وحين طُرحت فكرة الانفصال مجددًا كحل لاستعادة الكرامة والقرار، لم تنجُ هي الأخرى من المصير ذاته. بدل أن تكون فرصة لإعادة ترتيب البيت الجنوبي، كشفت عمق التباينات، وأعادت إنتاج الاصطفافات المناطقية، وكأننا ننقل المشكلة من شكل إلى آخر دون أن نلامس جذورها.
المؤلم في كل ذلك أن العناوين تغيّرت، لكن العقلية بقيت.
عقلية ترى في السياسة معركة صفرية، وفي الاختلاف تهديدًا، وفي الشراكة ضعفًا. عقلية تعتقد أن تغيير الخريطة يكفي لتغيير الواقع، وأن استبدال شعار بشعار يصنع مستقبلًا مختلفًا.
ليست الوحدة شرًا في ذاتها، ولا الاستقلال خطيئة، ولا تقرير المصير جريمة. المشكلة حين تُدار هذه الخيارات بعقل إقصائي، يحتكر الحقيقة، ويختزل الوطن في جماعة، ويحوّل أي مشروع سياسي إلى أداة غلبة لا مساحة توافق.
لقد أثبتت التجربة أن الحلول الكبرى حين تُبنى على عقل صغير تتحول إلى أزمات أكبر.
وأن المشكلة ليست في شكل الدولة بقدر ما هي في طبيعة العقد الذي يحكمها. دولة موحدة أو دولتان، نظام مركزي أو لامركزي… كلها صيغ قابلة للحياة إن وُجدت مؤسسات عادلة، وقضاء مستقل، وإرادة تعترف بالتعدد وتحميه بدل أن تطارده.
ما نحتاجه اليوم ليس شعارًا جديدًا، بل عقلًا جديدًا.
عقلًا يدرك أن السياسة إدارة للاختلاف لا إلغاؤه، وأن التنوع قوة لا لعنة، وأن الشراكة ليست تنازلًا بل ضمانة بقاء.
وإلى أن نراجع طريقة تفكيرنا، سنظل ننتقل من حل إلى آخر، ومن أزمة إلى أخرى، مثخنين بنتائج اختيارات لم نحسن إدارتها. المشكلة لم تكن يومًا في الفكرة وحدها، بل في العقول التي حولتها من فرصة إلى مأساة

الكلمات الدلالية