عدالة على رصيف الحصبة
في ذات يوم، كنت أظن أن أقسى ما فيه هو التنازل عن القضية، لكني كنت على موعد مع درس أقوى من أي حكم قضائي. خرجت من المحكمة ومعي هزيمتان، واحدة على الورق، والثانية في قلبي. وقفت باب القاعة بعد أن تركني المحامي، أعد خسارتي، وأنني بحاجة لمبالغ كبيرة حتى أدافع عن حقي! كنت شبه مشلولة وأنا أتابع بنظري الداخلين والخارجين للمبنى المهيب. وفي تلك اللحظة، اقترب مني ضابط له هيبة وحضور، يبدو أنه كان يسمع لكل كلمة دارت بيني وبين المحامي. و بذكائه، استوعب ضعفي أكثر من حدة صوتي. وقال بنبرة عادية وملامح هادئة: "إذا تدوري عمل، أنا أعرف مكان"!
رفعت رأسي لعنده، وكأنه كان طوق نجاة أو يمكن أمل في مكان تنعدم فيه الآمال، وقلت بصوت محرج: "أيوة!". ناولني عنوان معهد إنجليزي في الحصبة، وقال روحي للمدير، هو صاحبي وأنا قد كلمته. فتوجهت للمعهد وأنا أشكره بامتنان. وأنه فتح لي بابًا صغيرًا بعد ما تغلق في وجهي باب أكبر.
رحت للمكان، انتظرت لوقت طويل والسكرتيرة كل شوية تقول لي: "قال المدير تنتظري"!
وبعد ساعات، ونهاية الدوام، خرجت، وأنا في درج المبنى الكبير خرج المدير وهو يلبس جاكته بهدوء، وقال بكل تعالٍ وغرور: "تعالي نروح نتغدى، ونشتري قات ونخزن، ونشوف موضوع العمل!".
شفت لعنده بشكل مطول وأخيرًا قلت: "اسمع، أنا لا أدعي المثالية، ولا أمثل دور الفضيلة، لكن استغلالكم لحاجة الناس مقرفة يا أستاذ، والله لا يحوج بناتكم لناس من أمثالكم".
كنت أمشي في الشارع بغضب شديد منعني حتى أسمع كلامه، خرجت وفيّ ضيق العالم كله، ومن كل شيء حولي، من المسؤولية، من الحاجة، من الناس، ومن رجال يشمون ضعف النساء من بعيد.
وبعد مشي لفترة، وقفت أنتظر الباص.
وفي الجهة المقابلة من الشارع، كانت امرأة تفترش الأرض، تبيع "بسباس". أثناء انتظاري، راقبتها، وكأني أدرس حركاتها. ما رفعتش رأسها أبدًا طوال هذا الوقت، ترتب البسباس، تجمع الفلوس في محفظة متوسطة الحجم، وترجع مرة ثانية ترتب بضاعتها، وحسيت أنه انشغال مقصود. جلباب طويل، برقع بفتحة صغيرة جدًا يظهر لمعة عيونها من بعيد، وأصابع كان واضح منها عمرها الصغير، لكن صبغ عليهن الزمن تجاعيد العمل والشقا.
مر وقت، لا هي رفعت رأسها تشوف أحد، أو تلاحظ أنه حد بيراقبها اللي هو أنا.
ولا أنا لاحظت كم باصات مرت من جنبي بدون ما أوقفها وأواصل طريقي.
سألت نفسي هل لاحظ وجودها أي ضابط أو مدير معهد؟ وتمنيت أنه يكون الجواب "لا"!
ولسبب مش عارفة مصدره، قطعت الشارع وتوجهت لعندها. ثنيت ركبتي عشان أشوف عيونها من قرب، لأني كنت متأكدة أنها ما بترفعش رأسها، وسألتها: "بكم كيس البسباس؟".
وبصوت كله دفا، كله خجل، كله ألم مدفون، قالت: "بخمسين!".
حسيت بغصة تخنقني! أوجاعنا بخمسين!
خيباتنا بخمسين، ومافيش أرخص من أحلامنا في العالم، وبخمسين!
عيونها، كم تخبي وراها من حكاية وجع وحاجة مخفية. تساءلت بصمت وأنا أمسك كيس بسباس وأحط ثاني: كم معها أطفال؟ فين زوجها؟ شابة تجلس ساعات على الأرض بين أرجل العباد لمجرد أن حظها الجغرافي سيئ؟ امرأة مجهولة في الحياة تكافح لأجل "خمسين"! سألتها أخيرًا سؤال يكسر خصوصيتها: "أنتي متزوجة؟".
هنا رفعت رأسها بسرعة، توترت، ولاحظت اضطرابها، نزلت البرقع أكثر على عيونها تخبي خوفها، فهمت أن الحاجة أجبرتها على طريق مش طريقها، ومكان مش مكانها. سحبت سؤالي وأنا أفتح شنطتي أعطيها اللي كان معي (ألف ريال)، وأخذت كيس بسباس. وهي تدور على صرف الألف، وتعد فلوسها يمكن تلقى بقية المبلغ، سحبت منها "خمسين"، ووقفت عشان أمشي وقلت "خلي الباقي، بس أخذت خمسين أرجع بها البيت". بدأت تدعي لي بأدعية كثيرة، وقلت لها وأنا ماشية: "الله يسهل رزقش يا أختي، كلنا ندور الرزق الحلال".
رجعت مكاني أنتظر الباص وفي يدي كيس صغير بسباس، وخمسين ريال.
لكن كأني اشتريت شي رجع لي توازني. نسيت وجودها في الجهة المقابلة. ونسيت حتى خيباتي في هذا اليوم. لكن فجأة، وقبل ما أطلع الباص الذي وقفته، لاحظت يد مسكت كتفي. التفت بسرعة وخوف أشوف من هذا، وكانت هي، بائعة البسباس، وعيونها تشوف مباشرة لعيوني بدون مواربة هذه المرة، وفيها لمعة دموع وقالت: "الله يفتح لش كل باب مغلق ويبعد عنش عيال الحرام..!". وراحت.
اهتزيت من داخلي، وكأنها أول دعوة أسمعها في حياتي. لأنها مش مجرد دعوة، ولا مجرد كلمات عادية! وطلعت الباص الذي كانوا فيه يستعجلوني. لكن وأنا جالسة في الركن وعيني للشارع المليان بشر ، عصرت كيس البسباس في يدي وكل شي في عيني اختلف.
ما تغيرش أي شيء من واقعي، لكن تغيرت نفسيتي. الضيق الذي كان محاصرني تلاشى،
الغضب الذي كان يأكل جسمي، انطفى!
الظلام اللي كان حولي كله، اختفى!
رغم أنه كل ما في جيبي كان "خمسين"!
كلنا في نفس الدائرة، صح لبس مختلف، شكل مختلف، ظروف مختلفة، بس عايشات في نفس الدائرة! لكن وبعد فترة، حياتي كلها اختلفت. وظروفي تغيرت. وكنت دائمًا أذكرها. رجعت مرات لنفس المكان أدورها، لكن ما لقيتها! ولا أعرف حتى اسمها، ويمكن ما ألقاها في حياتي كلها. لكني موقنة جدًا أن دعاءها يسبقني في كل خطواتي.
هي موجودة في مكان مختلف الآن، تبيع بسباس، تبيع كراث، تبيع بخور وحناء، وباسم وشكل مختلف.
هي وهن، موجودات وسط الجميع، المتعففات العزيزات،
العاملات في الدنيا، ويشتغلين بصمت، وواقفات بشموخ على حافة الحاجة والفقر.
ادعموهن..!
اشتروا منهن..!
كونوا أنتم الحجاب، أنتم الحجاب الفاصل بينهن وبين عيال الحرام ومستغلي الظروف!
صدقوني، جبر الخواطر هو العمل الذي أنت تعمله ويرجع لك في نفس اللحظة. ما يحتاج وقت عشان تحس بقيمته، وتحسه في نفسيتك وروحك، ولو بكلمة!
ابحثوا عنه في الشوارع، بيدكم أنتم، وعيونكم أنتم، لا تعتمدوا على المساجد، لكن بإحساسكم أنتم بتعرفوه، عند جيرانكم، أهلكم، أصدقائكم..! ولو بالقليل، وشوفوا القليل هذا كيف بيغير نفسياتكم. في عالم يساوم المحتاج، ويستغل المضطر، خلونا نحمي كرامة بعضنا البعض.
والعدالة، مش دائمًا واقفة باب المحاكم، ممكن تلقوها على رصيف منسي بسيط.
وبين يد تعطي خير، ويد تدعي ستر...