وقفات رمضانية مع الآيات القرآنية(5)
سُنّة «وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ»
قال تعالى:
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾
المطففين: 1–3
.................................
1. لماذا يبدأ الوعيد بكلمة «ويل»؟
«ويل» من أشد ألفاظ التهديد في القرآن،
وتُستعمل حين يكون الفعل:
• شائعًا،
• مستساغًا اجتماعيًا،
• ومُبرَّرًا عرفيًا.
أي أن الخطر هنا ليس في ضخامة الجريمة،
بل في اعتيادها.
.................................
2. ما هو التطفيف في منطق القرآن؟
التطفيف ليس فقط:
• نقص الميزان،
• أو الغش التجاري المباشر.
بل كل سلوك:
• يأخذ حقه كاملًا،
• ويُنقِص حقوق غيره.
هو:
• أن تطلب الكمال لنفسك،
• وتقبل النقص للآخرين.
وهذا أخطر أشكال الظلم
لأنه مقنَّع بالعادية.
.................................
3. لماذا ركّز القرآن على المعاملة اليومية؟
لأن المجتمعات لا تنهار فجأة،
بل تتآكل أخلاقيًا بالتفاصيل.
التطفيف:
• في العمل،
• في المعاملة،
• في البيع والشراء،
• في الوقت،
• في الأمانة،
• في المسؤولية،
• في المعلومة،
• في الحكم.
كلها تبدأ صغيرة،
ثم تتحول إلى ثقافة عامة.
.................................
4. أخطر ما في التطفيف: الازدواجية
﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾
﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾
هذه ليست سرقة مباشرة،
بل ازدواج معيار.
أي:
• ميزان للنفس،
• وميزان للآخر.
وحين تنقسم المعايير:
• تسقط العدالة،
• ويضيع القانون،
• وتنهار الثقة.
.................................
5. لماذا ربط القرآن التطفيف بالآخرة مباشرة؟
بعد آيات قليلة يقول تعالى:
﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ﴾
أي أن التطفيف:
• خلل أخلاقي،
• ناتج عن ضعف استحضار الحساب.
من يستحضر الوقوف بين يدي الله لا يُطفِّف، ولو لم يره أحد.
.................................
6. أين نرى هذه السُّنّة اليوم؟
نراها حين:
• يُطالَب الموظف بالإخلاص ويُحرَم حقه.
• يُحاسَب الضعيف ويُتغاضى عن القوي.
• تُرفع شعارات النزاهة ويُمارَس الغش.
• يُختزل النجاح في النتائج لا في الطريقة.
التطفيف اليوم لم يعد في الميزان فقط، بل في المنظومات.
.................................
7. رمضان وتصحيح الميزان
رمضان هو شهر الميزان الدقيق:
• وقت محدد،
• صيام منضبط،
• إفطار محسوب،
• سلوك مراقَب.
الصيام يعلّمك:
أن تُنقِص من نفسك
ولا تُنقِص من غيرك. فمن قاتلك فقل له (إني صائم) كما جاء في الحديث النبوي
ومن لم يتعلم العدل في الصيام،
فقد فاته مقصده الأخلاقي.
.................................
خاتمة
﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ﴾
ليست تهديدًا للتجّار فقط،
بل تحذيرًا لكل من:
• يعيش بازدواجية،
• وطلب الإنصاف لنفسه فقط،
• واعتاد ظلمًا صغيرًا يراه تافهًا.
فالقرآن يقول بوضوح:
الظلم الصغير إذا شُرعِن
أنتج انهيارًا كبيرًا.
ومن أقام الميزان في التفاصيل،
حُفظ له الميزان في المصائر.
وهذه سُنّة قرآنية صريحة
قررها القرآن الكريم
لتبقى العدالة اليومية
أساس بقاء الأفراد والأمم.
غدا نلتقي في وقفة وآية أخرى
طابت أوقاتكم وتقبل الله منكم