أزمة ديسمبر: الأسباب والاستمرار
تعددت الأسباب التي أفضت إلى أحداث ديسمبر وما تلاها، غير أن هناك ثلاثة أسباب رئيسية يمكن الوقوف عندها:
1. ذهاب الرياض إلى اتفاق ثنائي مع صنعاء بشأن الهدنة وخارطة الطريق، دون الرجوع إلى شريكها في التحالف أبوظبي أو التشاور مع القوى المحلية ضمن الشرعية، وهو ما زعزع الثقة وأثار مخاوف جدية بشأن مستقبل الترتيبات السياسية وموقع بقية الأطراف فيها.
2. تكليف عضو مجلس القيادة الرئاسي عيدروس الزبيدي بالملف الاقتصادي والمالي، وعجزه عن إقناع مأرب -على وجه الخصوص- وبقية المحافظات بتوريد مواردها إلى البنك المركزي في عدن، الأمر الذي أضعف من فاعلية موقعه، وجعل دوره أقرب إلى صفة شكلية تفتقر إلى أدوات التأثير الفعلي، وبصورة بدت، في سياقها العام، وكأنها مقصودة لإبقائه دون قدرة حقيقية على إحداث تغيير.
3. احتكار التعيينات في المناصب العليا بصورة غير معلنة من قبل رئيس المجلس، بما يراعي إعادة إنتاج سيطرة منظومة الحكم الشمالية وفق معايير تُهمّش بقية الأعضاء الجنوبيين، وهو ما عمّق شعور التهميش، وقوّض مبدأ الشراكة والتوافق الذي نصّ عليه اتفاق الرياض. صحيح أن مطالبات عيدروس الزبيدي في توزيع المناصب حملت طابعًا مناطقيًا، غير أن ذلك لا يبرر تجاوز مبدأ التوافق أو الالتفاف عليه بأساليب دفعت إلى ترسيخ قناعة بعدم جدوى الشراكة، والاندفاع نحو محاولة فرض واقع جديد بالقوة.
إلى جانب ذلك، لعبت عوامل إقليمية دور العامل المسرّع في تفجير هذه الأحداث، من خلال إعادة ترتيب الأولويات والتحالفات بما لا يراعي توازنات الداخل وتعقيداته.
اليوم، وبعد ما جرى، لاتزال المخاوف قائمة من أن تؤدي التفاهمات الثنائية بين الرياض وصنعاء إلى تجاوز استحقاقات بقية الشركاء. كما أن الشعور بتآكل مبدأ الشراكة، والتعامل الانتقائي مع مقتضيات التوافق، لايزال حاضرًا، وهو ما يُبقي الأزمة مفتوحة على مزيد من التعقيد.
في هذه المرحلة، لا يُنتظر من الرياض أن تحل القضية الجنوبية، فهذا أمر يتجاوز قدرتها وحدها بحكم تعقيدات الواقع وتشابك الفاعلين. غير أن استمرارها في إدارة مسار السلام بصورة ثنائية، دون إشراك حلفائها وضمان شراكة حقيقية ومتوازنة، سيُبقي جذور الأزمة قائمة. وحتى إن نجحت المعالجات العسكرية والأمنية في فرض تهدئة مؤقتة، فإنها لن تمثل حلًا مستدامًا، بل ستؤجل الانفجار إلى لحظة مفصلية لاحقة، ما لم يُعالج أصل المشكلة المتمثل في غياب الشراكة الحقيقية والتوافق السياسي.