صنعاء 19C امطار خفيفة

لا انتصار يُولد من فوهة بندقية

لا أعتقد أن الجنوب يمكن أن يحقق انتصارا بالعنف والفوضى. كل تجربة مررنا بها منذ 1967 في اليمن الجنوبي تؤكد أن الرصاص لا يبني دولة، بل يؤسس لثأر جديد، ويزرع في الذاكرة الجماعية أحقادا تتوارثها الأجيال. ما زلنا حتى اليوم ندفع ثمن صراعات الماضي، ونرى كيف تُستحضر أحداث الأمس لتبرير إقصاء اليوم، وكيف يُعاد إنتاج الانقسام ذاته ولكن بأسماء وشعارات مختلفة.


الجنوب لا يحتمل دورة عنف جديدة. نسيجه الاجتماعي تضرر بما فيه الكفاية، ومناطقيته الضيقة استُنزفت حتى كادت تبتلع ما تبقى من حلم جامع. من يظن أن السيطرة بالقوة ستصنع استقرارا واهم؛ فالقوة قد تفرض أمرًا واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع شرعية ولا تُنتج وطنا.
أما من يتخذ من السعودية شماعة لكل أزمة، فعليه أن يتذكر أن الارتهان لم يكن حكرًا على طرف دون آخر. من ارتهن لـ الإمارات العربية المتحدة وفتح الباب لصراع نفوذ داخل الجنوب، لا يملك اليوم أن يرفع شعار السيادة بوجه طرف آخر. الحقيقة أن تضارب الأجندات الإقليمية انعكس انقساما داخليا، ودفع الجنوب ثمنه سياسيا وأمنيًا واجتماعيا.
مشروع الهيمنة عبر قوة عسكرية ترفع لافتات براقة لن يبني دولة. تجارب السنوات الماضية أظهرت أن خطاب "محاربة الإرهاب" استُخدم كسيف مسلط على رقاب الخصوم السياسيين، ففُتحت سجون، ووقعت اغتيالات، وتوسعت دائرة التخوين. وعندما يُختزل الوطن في بندقية، يصبح كل معارض خائنًا، وكل مختلف عدوًا.
أنا أرفض التدخل الخارجي بكل أشكاله، وأرفض أن يكون الجنوب ساحة تصفية حسابات بين أقطاب الإقليم. لكن إن كان من نافذة أمل اليوم، فهي في أن يُعاد توجيه البوصلة نحو مشروع دولة لا مشروع مليشيا، نحو شراكة لا إقصاء، نحو قانون لا سجون سرية. الرهان الحقيقي ليس على دولة إقليمية ضد أخرى، بل على استعادة القرار الوطني من كل أشكال الارتهان.
على العقلاء في الجنوب أن يدركوا أن المواجهة المفتوحة مع الجميع لن تصنع انتصارا. لا يمكن أن تكون في خصومة مع الداخل، وفي صدام مع الإقليم، ثم تتوقع أن تخرج منتصرًا. السياسة ليست عنادًا أيديولوجيا، بل فن إدارة الممكن، وبناء التوافقات، وتقديم المصلحة العامة على شهوة الغلبة.
الجنوب بحاجة إلى مراجعة شجاعة:
هل نريد دولة قانون ومؤسسات؟ أم سلطة أمر واقع؟
هل نريد شراكة وطنية؟ أم احتكارا باسم القضية؟
هل نريد أن نكون جزءا من استقرار المنطقة؟ أم ورقة في صراعاتها؟
صناعة الرأي العام اليوم تبدأ بكسر ثنائية "معي أو ضدي"، وفتح نقاش واسع حول مستقبل الجنوب بعيدًا عن التخوين والارتهان. المطلوب خطاب جامع يعترف بالأخطاء، ويدين الانتهاكات أيا كان مرتكبها، ويؤسس لعدالة انتقالية حقيقية تُنهي زمن الإفلات من العقاب.
لن ينتصر الجنوب بالعنف، ولن يُهزم بالحوار.
الحق لا يحتاج مليشيا لتحميه، بل يحتاج مشروعًا وطنيًا يقنع الناس به.
ومن يصر على السير في طريق لا يخدم الجنوب ولا اليمن ولا الإقليم، سيكتشف متأخرًا أن القوة بلا شرعية عبءٌ على أصحابها قبل أن تكون خطرا على خصومهم.

الكلمات الدلالية