مجلس ترامب لـ"سلام" غـزة!!
لفت نظري أن مجلس السلام لغزة سمي بـ Board، وهذه التسمية ليست هي التي ألفناها عند تسمية المجالس ذات الطبيعة السياسية أو العسكرية، وهي Council، وبالبحث وجدت أن كلمة Board تعني قيام سلطة حاكمة تضع استراتيجيات وقرارات ملزمة كمجلس الإدارة Board of Directors أو مجلس الأمناء Board of Trustees، بينما تعني كلمة مجلس Council مجموعة منتخبة أو معينة توصي أو تناقش أو تضع سياسات تركز غالبا على قضايا محددة، وليس لقراراتها صفة الإلزام. ولهذا السبب يلجأ مجلس الأمن إلى الفصل السابع لإضفاء القوة على بعض قراراته.
وبهذا التعريف لكلمة Board يتبين البعد الإلزامي لقرارات صانعي كارثة تدمير غزة الإسرائيليين والأمريكيين تحت شعار التعمير الذي لا تساهم في تكاليفه دولة التدمير، التي خلت كلمات الوفود العربية في جلسة المجلس بواشنطن في 19 فبراير من مطالبتها بدفع بعضه.
إننا أمام فاجعة استسلمنا لها نسميها بالعربية "الخصم والحكم"، وهذا هو بالضبط وضع عدويْنا إسرائيل وأمريكا الذي قبلنا به. لقد ضم المجلس إسرائيل، التي شارك وزير خارجيتها ساعر، أو المسعور، الذي قال قبل يوم واحد في مجلس الأمن إن الصهاينة هم السكان الأصليون لفلسطين وليس شعبها الحقيقي. وبتقييم بسيط للمادتين الثالثة والسابعة من خطة ترامب لتطويع غزة عن وقف فوري للنار ودخول المساعدات، فإن شيئا لم يتغير، لأن إسرائيل منذ صدور الخطة في سبتمبر 2025 استمرت في تدمير وتهجير وتجويع وحصار الفلسطينيين، ولا تزال تقتلهم يوميا وتمنع عنهم الغذاء والدواء ودخول الخيام في البرد القارس المصحوب بعواصف وأمطار غزيرة، بينما يتركز اهتمام ترامب على تهديد حماس التي أوفت بالتزاماتها بالدمار، ومواجهتها بقسوة إذا لم تنزع "أسلحة الدمار الشامل التي في ترسانتها العسكرية"، التي سماها نتنياهو نفسه بنادق الكلاشنكوف.
هذا التهديد لا يطال إسرائيل، التي لا تزال تنتهك الخطة حتى اليوم بتواطؤ أمريكي.
لقد استبعدت أمريكا، طاعة لإسرائيل، منظمة التحرير، الممثلة الرسمية للشعب الفلسطيني، المتهمة من قبل أمريكا ودول أوروبية بفساد لم تحدد تفاصيله. تهمة الفساد سيناريو مكرر، وقد كانت سيفا مسلطا في وجه الرئيس الراحل عرفات عامي 2004 و2005 عندما كان يراد التخلص منه. الأصل في مسألة الفساد أن إسرائيل وأمريكا لا تريدان أن تتضمن مناهج التعليم الفلسطينية مفردات وجملا كالنكبة والاحتلال وحق العودة والمستعمرات غير المشروعة وتاريخ فلسطين الحقيقي وعروبة فلسطين، وكل ما يتصل بحقوق الفلسطينيين في الحرية والاستقلال والدولة وكتابة تاريخ صهيوني لفلسطين وعدم تعويضات لأسر الشهداء الفلسطينيين. وهذا قد يبدأ تطبيقه في غزة بإشراف توني بلير. نتنياهو يحاكم منذ عام 2019 وحتى 2025 بتهم الفساد، ولا يزال تحت مقصلة القضاء، ولو أراد حضور مجلس ترامب لما ووجه بالفيتو كالسلطة، وقد فضل عدم الحضور وتفويض وزير الخارجية ساعر لئلا يلتزم بأي شيء يقره مجلس ترامب قد لا يوافق هواه.
لقد كان استبعاد السلطة، ممثل الشعب الفلسطيني الرسمي، استبعادا للبعد السياسي للقضية الفلسطينية وتجسيدا للفصل بين الضفة وغزة تلبية لمطلب إسرائيلي غير خفي.
وجه ترامب الدعوة لستين دولة للمشاركة، ولم تلب دعوته سوى 22 دولة، وليس أكثر كما يروج بعض الإعلام. وقد رفضت عدة دول المشاركة كالمكسيك، التي بررت رفضها بعدم وجود تمثيل للفلسطينيين، وتغيب الأعضاء الدائمون الأربعة في مجلس الأمن والسويد وإسبانيا والفاتيكان والنرويج وبلجيكا، وبعض الدول لم تدع كإيرلندا، وشاركت دول كمراقب كإيطاليا وألمانيا والاتحاد الأوروبي، الذي اعترضت فرنسا وإسبانيا وإيرلندا وبلجيكا على مشاركته.
كان على العرب الذين حضروا أن يقفوا موقف المكسيك بالإصرار على مشاركة السلطة، وفي أسوأ الأحوال على الأقل أن يتشاوروا معها تحت خيمة جامعة الدول العربية شبه المشلولة، وأن تلقى كلمة واحدة عنهم جميعا تعبر عن موقف عربي موحد، بالتشاور أيضا مع السلطة الفلسطينية، يستند إلى حل لا يخالف الشرعية الدولية والمبادرة العربية.
كان الاجتماع فرصة نادرة للعرب ليسمعوا العالم موقفهم الموحد، لاغتنام التغطية الإعلامية الكبيرة لفعالية المجلس، وفرصة لإدانة قرار إسرائيل الأخير تحويل مساحات فلسطينية كبيرة إلى أملاك دولة، وهو ما يقود إلى الضم بدون إعلان وبدون إغضاب ترامب، الذي ادعى أنه ضد ضم الضفة المحتلة، ولكنهم للأسف لزموا الصمت إزاء هذا القرار الاستعماري الجديد. مقارنة بخطابات العرب في الأمم المتحدة وفي مجلس ترامب، برهن العرب على أنهم فصيحون في الأمم المتحدة وخجولون في حضرة مجلس ترامب للسلام.
حقيقة سلام ترامب:
ترامب يريد إقصاء أي ممثل حقيقي للفلسطينيين، سواء كان السلطة أو حماس. ووفقا لصحيفة ديلي تلغراف البريطانية، فإن ترامب الإسرائيلي يريد تشكيل قوة شرطة غزة من عصابات الجريمة المنظمة وتجار المخدرات والمليشيات المسلحة المناهضة لحماس، التي تسلحها وتمولها إسرائيل. وهذا يفسر لماذا استبعد ترامب، نيابة عن نتنياهو، السلطة من المشاركة في مجلس سلامه المسموم. إن الهدف النهائي لترامب ولنتنياهو هو منع إقامة الدولة، وهذه الغاية سيحققها صهره الصهيوني جارد كوشنر ومبعوثه الصهيوني أيضا ستيف ويتكوف بالشراكة الوثيقة مع إسرائيل. وفي المجمل لن تكون هناك قيمة أو اعتبار للمادة 19 من خطة ترامب التي تنص على: "قد تتوفر أخيرا الشروط اللازمة لمسار موثوق به يفضي إلى تقرير المصير الفلسطيني وإقامة الدولة الفلسطينية، وهو ما نقر به كطموح للشعب الفلسطيني".
السؤال هنا هو: هل إسرائيل في وارد توفير هذه الشروط، وهل ستستقل سياسات أمريكا الفلسطينية عن سياسات إسرائيل، وتتصرف أمريكا كدولة مستقلة أم دولة قزمة محتلة من قبل إسرائيل؟ الإجابة: لا، ثم لا. لذلك تم استبعاد السلطة والأمم المتحدة، وعدم دعوة الدول التي تؤيد حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة. إن مخرجات المجلس ستصب في تحقيق غايات إسرائيل وحدها، وتتجاهل البعد السياسي والحقوقي للقضية الفلسطينية، وتركز على البعد المعدوي الذي بدأ مساره توني بلير عام 2005 عندما كان رئيسا لوزراء دولة وعد بلفور، ولهذا السبب دعي، وسيكون مهندس مرحلة أخرى في تدمير قضية فلسطين.