صنعاء 19C امطار خفيفة

حتى لا تضيع الفرصة

نادرًا ما تتيح الظروف ومتغيرات الحياة فرصًا يمكن أن نطلق عليها فرصةً تاريخيةً نادرة؛ فالتاريخ لا يعيد نفسه، وإن أعاده فبأي شكل أسوأ. من هنا نقول: كيف لنا، في ظروف بلادنا التي يعجز العقل السوي كثيرًا عن تفسيرها؟ بلادنا وجودًا وتاريخًا وتركيبًا جيولوجيًّا من التعقيد بمكان يزيد من صعوبة الإمساك بنقطة البدء للانطلاق.

ها نحن على مشارف نهاية العقد الثامن من محاولات الاقتناص الجيد لما أتيح للبلد من فرص تاريخية للدخول في معترك الحداثة، لكن كما هو واضح وجلي… لم نتمكن من اقتناص ما أتيح لنا من فرص تاريخية؛ لم يتم اقتناصها، بل تغلبت على عناصر إشراقاتها عوامل الارتداد عبر جملة من عوامل الشد والجذب إلى الخلف، بل عبر ارتدادات تجاوزت في مقارباتها ونتائجها الراكد التاريخي المُشكِل، لعمق أزمة وتخلف بلدنا العزيز.
كلما لاحت أمامه فرصة للانعتاق والخروج من دوامة مشاكله البنيوية المزمنة التي تعصف بكيان البلد وتركيبته، تبرز من ثنايا الواقع المعقد تحديات تطيح، للأسف، بالكثير مما تم تجاوزه من تحديات بنيوية ذات أبعاد سياسية، واقتصادية، وثقافية، ذات جذور تاريخية؛ وكأنما نحن ندور داخل حلقات مفرغة، لا أثر لتراكمات يُعتمد عليها في رحلة الوطن لمواجهة ما يتوالد، أو يُعاد توليده، من ذات التحديات وإن تغيّرت المسميات.
لذا نقول: إن التاريخ إن أتاح فرصة لا يكررها إلا إذا استجدت على الأرض وقائع مغايرة في الجوهر والتطلع نحو مسيرة أفضل، بعيدًا عن مفاعيل الحروب والتناحرات البينية الضيقة التي تعبث بالمكون الوطني وتطلعاته للخروج من عنق الأزمات المتكررة، الحاملة في جوفها نفس العلل التي كنا نعتقد بأننا قد حفرنا لها قبرًا وصولًا إلى واقع أفضل.
ويبدو أننا تغافلنا بأن الانتقال إلى واقع بديل ليس من السهولة بمكان، ما لم تحدث جملة من التغييرات الجذرية في محيط وأحشاء البيئة التي تتخلق فيها عوامل قادرة على خلق عوامل عدم الاستقرار والخروج من عنق الزجاجة والاختناق.
وهنا نشير إلى أن التاريخ قد أتاح لنا فرصًا تاريخية لا تُعوَّض، تداخلنا معها وفق ظروف واقع معقد وتطلعات طموحة، تشكلت أبهى صورها التاريخية بثورتي سبتمبر وأكتوبر. كانتا فرصتين تعاملنا معهما بالروح والطموح اللذين سكنتهما اللحظة الثورية، وشكلتهما الرغبة الجامحة للتغيير نحو الأفضل، وعبر إصرار ووعي على تحدي المستحيل في ظل واقع ومحيط له تعقيداته.
حيث تمت قراءة رحلة المستقبل بإدراك ووعي ورغبة في مفارقة تاريخ وواقع صعب لبلد تركيبة بنيته الاجتماعية صعبة المراس. كانت الفرص التي أتاحها لنا التاريخ لا تُقرأ اللحظة بأعين الحلم والرغبة فقط، ولكن بوعي وبعيون تُبحر وتتجاوز ملكوت واقع ومحيط معقد بحثًا عن بديل أفضل، عن مشروع الدولة.
لكن دونما تعسف، وإن وقعنا في لحظات متعددة ببراثن أخطاء قاتلة تمثلت بمفارقات؛ إما الاستسلام لشروط الواقع وشروط القوى التي تصنعه وتحول دون تولد بديل لمشروعها دون الحداثي، وأولى لبناته الدولة، وترسيخ ديناميكيتها وتفعيل أدواتها التي للأسف طالتها المصالح الضيقة واللاوطنية حتى آخر لحظة بتاريخنا الوطني، والتي ظلت عيون بعضها تقرأ تطلعات البلد بعيون عمياء ومفاهيم تُغيِّب كلية الوطن لتحيله إلى فسيفساء ترتبط إما بماضٍ سحيق بتراثه ومفاهيمه وقواه، وإما بآفاق لها ارتباطات وامتدادات خارجية؛ ومن ثم التحليق بعيدًا عن مشروعنا الوطني القائم على ضرورات التفاهم وعدم إلغاء أي طرف أو تسيد أي طرف، مهما كان.
وهنا نقول: إن ما أتاحه لنا التاريخ من فرص لن يتكرر إن لم نحسن التعامل بوعي مع الحالة التي وصلنا إليها حاليًّا؛ إذ هي حالة تشابه حالة "الرجل المريض" الذي كان يُطلق يومًا ما على تركيا العثمانية. والتاريخ لا يكرر نفسه، والفرص النادرة إن لم يتم اقتناصها بوعي، يكن ثمن البحث عنها أو استعادتها أكثر كلفة وأشد مرارة.
فالحلم… الوحدة.
الوحدة كانت فرصة تاريخية نادرة، ويظل لزامًا استعادة وهج تلك اللحظة بوعي وإدراك، بعيدًا عن اعتبارها من المسلمات التاريخية. من المهم إجراء نقد موضوعي واستيعاب لما حدث؛ فذاك شرط ضرورة لإعادتها بصورة تتجلى عبرها توافقات حقيقية مبنية على مشاركات يصنعها الجميع، ترتكز على مقومات واضحة:
كيف فهم اليمنيون مشروع الوحدة، وضمن أي أسس ومقومات؟
وما هي الضمانات التي توافقوا عليها وخلقوا على الأرض عوامل تحول دون الانحراف والعودة إلى ما هو أسوأ؟
للأسف، لم تُحسن الأطراف، وبالذات الأقوى، اقتناص روح وجوهر الفرصة، أي حلم الوحدة، ولم تُحسن من خلال نهجها وممارساتها على الأرض الحفاظ عليها وعلى مصالحها المتساوية لجميع الشركاء فيها؛ بل تحولت من مشروع تاريخي للتغيير نحو الأفضل إلى مغنم، ثم تحولت بعدها إلى كارثة وطنية، للأسف الشديد.
وهو ما لا نريده مجددًا، وقد بات يلوح في الأفق ما يوحي بأن التاريخ يتيح لبلادنا فرصة نادرة أخرى بعد ما جرى، وبعد مغادرة مستنقع الدماء.
هنا نود القول لمن آلت إليهم مقاليد الأمور: ألّا نقع في ذات النهج، أي إضاعة الفرص الواحدة تلو الأخرى. الأمر يتطلب مغادرة ساحات الحروب والاقتتال، ومغادرة سلطة النفي المطلق للآخر، ومغادرة مفاهيم "السيد القائد" و"الزعيم الملهم" و"الحزب الأرعن"، وغير ذلك من مفاهيم وتأبيد قوة المذهب والقبيلة والمنطقة.
نحن الآن أمام مأزق تاريخي يستدعي من كافة من آلت إليهم أمور البلد، وكافة القوى المجتمعية الحية، أن تعيد هندسة مواقفها وقراءتها لنتمكن من قراءة متطلبات اقتناص الفرصة المعقدة التي نعيشها، والتي تتطلب تضافر كل الجهود للخروج من مأزق إلغاء مفهوم الدولة ومأزق تخليق كيانات جهوية أو نفعية ذات طابع مذهبي أو دون وطني.
ذلك يتطلب، حتى نحسن اقتناص آخر فرصة تاريخية كي نخلق دولة تمثل الجميع ويشعر الجميع أنهم شركاء حقيقيون فيها، ما يلي:
على مستوى الجنوب: إعادة قراءة واقع ومستقبل الجنوب من خلال أفق جنوبي شامل ضمن توافق وطني شامل، ينتفي فيه التجاوز والإلغاء من قبل أي طرف لأي طرف، وليس مسموحًا تسيد طرف بعينه أن يجعل من نفسه وصيًّا على الجميع.
على نفس المنوال، يتطلب الظرف توافقًا وطنيًّا على مستوى الشمال بعيدًا عن موروثات المراحل السابقة، توافقًا جوهره السعي لبناء دولة حقيقية عبر حقائق القانون والمواطنة المتساوية، وسيادة الدولة على مواردها لصالح شعب لا تتنازعه مصالح ضيقة تلغيه متى تريد وتستدعيه للموت متى تريد.
إنها فرصتنا الأخيرة؛ فهل نحسن اقتناصها؟ وعبر ما يجري في الرياض من عناوين نأمل أن تتحول إلى مشاريع لبناء وطن موحد لا تتنازعه الأهواء. فهل يمثل تشكيل الحكومة الجديدة خطوة في الاتجاه الصحيح؟ وهل ما يتم في كواليس السياسة وطنيًّا وإقليميًّا عبر الرياض، ودوليًّا عبر التواصل مع كافة الأطراف التي باتت أذرعها تطال عمق أزمتنا الوطنية، محطةً وفرصةً تاريخية؟
وهل لنا أن نأمل بما يلي:
أن يمثل مؤتمر الحوار الجنوبي في الرياض لحظة فارقة تفضي إلى صياغة وثيقة تفاهم وطني جنوبًا–جنوبًا، تمثل مخرجًا وتتضمن أسسًا وطنية لرحلة آمنة لوطن موحد بعيدًا عن مركزية الاستلاب، وتعتمد مبادئ للشراكة الحقيقية تحت مظلة سيادة دولة مكتملة الأركان عنوانها المشاركة والمواطنة المتساوية.
أن تتحول السرديات التي رافقت تشكيل حكومة رئيس الوزراء، وما تضمنته خطابات الرئيس العليمي – سواء خطابه التوجيهي غداة تشكيل الحكومة أو أحاديثه أثناء مشاركته في مؤتمر ميونخ الأخير – إلى برامج عمل على الأرض، معززة بإمكانات وتوافقات تشكل ضمانات للانطلاق من بركة تركة مثقلة بالتحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية وسواها من التحديات التي لا تغيب عن فهم وإدراك كل ذي عقل لبيب.
أنها لحظة تاريخية حقيقية وفرصة أُتيحت لبلادنا مرة أخرى، نأمل أن تتحول إلى حقائق على أرض الواقع، ونغادر من خلالها ظل وضلال حكومات كثيرة سبقت؛ فالأمر فيه تحدٍّ، والأيام والبلاد وشعبها ينتظران.
إنها فرصة نادرة لن يعوضنا الدهر عنها.
فقد جربنا الحروب،
وجربنا الوحدة،
وجربنا القفز على كل الحبال خارج أوعية الوطن ومشاكله.
فهل تكون هذه آخر مراحل العبث الذي مزق كياننا الوطني وحوله إلى أشلاء؟
ذلك هو التحدي…
ويحدونا أمل، بل آمال كبرى.

الكلمات الدلالية