القضية… في أخلاقياتنا وخطابنا
كلما تصاعدت نبرة الخطاب السياسي المشحون بالعاطفة والاصطفاف المناطقي، يبرز سؤال جوهري: متى نتعلم من خيباتنا؟ ومتى نحسن تقديم قضايانا العادلة بصورة تليق بها، بعيدًا عن اللغة الشعبوية والانفعال الذي يحوّل الحق إلى خصومة، والقضية إلى عبء على أصحابها؟
ليست المشكلة في عدالة المطالب؛ فهناك قضايا وحقوق لا خلاف على مشروعيتها. لكن الإشكال يكمن في الطريقة التي تُعرض بها هذه القضايا، وفي الخطاب الذي يُستخدم للدفاع عنها. عندما يتحول الخطاب من نقدٍ للأنماط السياسية الفاسدة إلى هجومٍ على الناس بهوياتهم وانتماءاتهم، فإن البوصلة تنحرف، ويضيع المعنى الأخلاقي للصراع.
الخطاب المناطقي والعنصري لا يخدم أي مشروع تحرري، بل يضعه في موضع الاتهام. فالتعميم ضد أي مكوّن بشري خطأ أخلاقي قبل أن يكون خطأً سياسيًا. في كل مجتمع الصالح والطالح، العادل والظالم، البنّاء والهدّام. ولا يجوز اختزال ملايين البشر في صورة نمطية بسبب ممارسات سلطة أو جماعة أو مرحلة تاريخية. هذا التعميم لا ينتج وعيًا، بل ينتج كراهية، والكراهية لا تبني دولة.
المفارقة المؤلمة أن بعض الحركات التي رفعت شعارات مقاومة النفوذ العسكري والقبلي والمناطقي وقعت لاحقًا في إعادة إنتاج نفس النموذج الذي رفضته. فبدل أن يكون المشروع مشروع مؤسسات، صار مشروع نفوذ. وبدل أن يكون مشروع قانون، أصبح مشروع قوة. وهنا تتحول الثورة على المنظومة إلى نسخة أخرى منها، مع تغيير في الأسماء فقط.
المشكلة الحقيقية ليست صراع جغرافيا، بل صراع عقليات: عقلية تؤمن بالدولة والمؤسسات، مقابل عقلية تؤمن بالغلبة والتعبئة والانقسام. هذه العقلية موجودة في أكثر من مكان، وتعمل بذات الأدوات: شحن عاطفي، صناعة عدو شامل، تبرير الإقصاء، وتقديم الفوضى باعتبارها بطولة. وهي عقلية إذا انتصرت في أي طرف، خسرت الدولة كلها.
إن القضايا العادلة تحتاج خطابًا عادلًا. تحتاج لغةً تفتح الأبواب لا تغلقها، وتبني الجسور لا تحرقها، وتفرّق بين نقد السلطة وشيطنة المجتمع. تحتاج نضجًا سياسيًا يميّز بين الخصم والشعب، وبين الخلاف والعداء، وبين الغضب والوعي.
اللحظة التاريخية القاسية التي نعيشها لا تحتمل مزيدًا من الوقود العاطفي الأعمى. ما تحتاجه هو عقل بارد، وضمير حي، وخطاب مسؤول. فالأوطان لا ينقذها الصراخ، بل ينقذها التفكير.