شريف جابر وجريمة السؤال
شريف جابر شاب مصري خرج من الهامش إلى قلب الجدل بصوت هادئ ووجه يوحي بأنه تأمل الكوكب طويلاً قبل أن يقرر مشاركتنا خلاصاته. اعتمد على أسلوب بسيط. كاميرا ثابتة ولهجة واثقة وأسئلة يفضل كثيرون أن تدفن في الرفوف السفلية للعقل بجانب الأشياء التي لا يريد أحد تذكرها. في تلك المساحة تحديداً حيث تتكدس الأسئلة الحساسة، صنع حضوره.
ما يميز جابر ليس المحتوى وحده بل الطريقة. يطرح أفكاراً شائكة ببرود يجعل السجال يبدو كما لو أنه مباراة شطرنج بين شخص يفكر وشخص يتمنى لو لم يفتح الفيديو أصلاً. وهذا ما جعله هدفاً سهلاً على طرفين، طرف يراه خطراً على الموروث، وآخر يراه صوتاً يستحق مساحة أوسع في فضاء اعتاد تضييقها على من يسبح عكس التيار.
مشاكله القانونية المتكررة أضافت طبقة جديدة من الدراما جعلته أقرب إلى شخصية روائية تائهة بين الهجرة والترقب. ومع ذلك ظل مستمراً في إنتاج محتواه كأن كل ضربة تمنحه سبباً إضافياً لطرح سؤال جديد وربما سبباً إضافياً لقلق السلطات.
شريف جابر أثبت أن شخصاً وحيداً أمام كاميرا يمكنه إخراج مجتمع كامل من منطقة الراحة، وأن الأفكار حين تُقال بثقة هادئة قد تربك أكثر من ألف خطبة صاخبة، خصوصاً حين تأتي من شخص لا يبدو عليه أنه يستمتع بشيء قدر استمتاعه بإحراج الأسئلة القديمة.
واليوم وهو يواجه محنته خلف الجدران تتجاوز القضية شخصه لتلامس سؤالاً أوسع عن مساحة الكلمة وحدود التفكير.
التضامن معه ليس اصطفافاً أيديولوجياً بقدر ما هو انحياز لحق الإنسان في أن يسأل وأن يجتهد وأن يعبّر دون أن تتحول الفكرة إلى تهمة.
في معتقله يبقى شريف جابر اسماً في سجلات رسمية لكنه في الوعي العام رمز لنقاش لم يكتمل بعد. وأكثر ما يستحقه الآن هو عدالة شفافة ومساحة حرية تليق بمجتمع يثق في قدرته على مواجهة الأسئلة بالحوار لا بالأقفال.
