ذاكرة رمضان.. سيرة زمنٍ لا يعود
عشتُ رمضاناتٍ كثيرة، لكن لكلِّ مكانٍ منها طعمه الخاص الذي لا يُشبه غيره. عرفته في قريتي أولًا، ثم في عدة مدن يمنية، وعرفته خارج الوطن في مصر، وها أنا أعيشه اليوم في ألمانيا. غير أنَّ رمضان القرية ظلّ الأصل الذي تُقاس عليه بقية الرمضانات، وكأنَّ الذاكرة لا تعترف بسواه معيارًا.
في القرية كان لرمضان نكهة عتيقة، هادئة، بسيطة.. دفء العلاقات كان جزءًا من هوائه؛ الجيران أقرب من الجدران، والأقارب حضور يومي لا مناسبة فيه، ومجالس الكبار مدارس مختلفة نتعلم فيها أكثر مما نظن. كنّا ننتظر الشهر بشغف طفولي خالص، لا لشيءٍ محدد بقدر ما هو شعورٌ بأنَّ الحياة ستتغيّر. كان الليل يصبح لنا، نحن الصغار، مساحةً مباحة للحركة، مزيجًا من الخوف والمتعة، وألعابًا تتخللها الظلال والضحكات المكتومة.
التلفاز لم يكن متاحًا كما هو اليوم. كان امتيازًا نادرًا، لا يملكه إلا من لديه مولد كهربائي. كم مرةً توقفت فرحتنا عند بابٍ مغلق، وكم مرةً ظفرنا ببقعةٍ ضيقة في أحد الدواوين لنشاهد مسلسلًا تاريخيًا أو دينيًا لا نراه إلا في رمضان. لا تزال في ذاكرتي شارات البداية لمسلسلات مثل محمد رسول الله والجوارح والكواسر، تلك الأعمال التي ارتبطت بالشهر حتى ظنناها من طقوسه.
ولصلاة التراويح في مسجد القرية روحٌ لا تُنسى. للمساجد العتيقة رائحةٌ خاصة، لا تشبه شيئًا آخر، كأنها مزيج من الخشب القديم والسجاد البالي وعرق الساجدين عبر السنين. كانت روحانية المكان أعمق من الكلمات، وكأن الزمن نفسه يخفّ وطأته بين جدرانه.
أما المائدة، فكانت امتدادًا للأرض. الشفوت المصنوع من خبز اللحوح الذي خُبز من قمح زرعناه بأيدينا، واللبن من بقرتنا، وكل شيء طبيعيّ، بسيط، نقيّ.. قبل أن تصل منتجات المصانع إلى قريتنا وتُغيّر طعم الأشياء ومعانيها.
جلسات السمر كانت تمتد إلى السحور. نكتة، ومزاح، وإنشودة دينية، ولعبة عابرة، وربما شاشة صغيرة تضيء المجلس. أضواء الأتاريك وبعض المولدات تتسلل من النوافذ إلى المدرجات الزراعية، فتبدو القرية ليلًا كلوحةٍ حيّة، تتنفس بهدوء.
رمضان الطفولة لا يُنسى، لخصوصية المرحلة وخصوصية المكان. نحن جيل الثمانينيات، شهدنا تبدل العالم أمام أعيننا. عشنا ما قبل التلفاز والستلايت والهواتف المحمولة والإنترنت، ثم دخلنا عصر الذكاء الاصطناعي. ومررنا، كيمنيين، بتقلباتٍ وأحداثٍ غيّرت ملامح الوطن والمنطقة معًا.
كان رمضان أيضًا سباقًا محمومًا لقراءة القرآن. كنا نقرأ بنهمٍ كبير، نهتم بعدد الأجزاء والمصاحف أكثر من اهتمامنا بالتأمل والتدبر. كان الكمّ هو الغاية. ومع مرور السنوات تغيّر الفهم، على الأقل بالنسبة لي. أدركت أن التدبر هو المقصد الحقيقي، وأن ثمرة القراءة ينبغي أن تنعكس أثرًا على القلب والسلوك، لا أن تبقى أرقامًا تُحصى.
اليوم، وأنا في ألمانيا، يمرّ رمضان بلا ملامح ظاهرة في الشارع. كل شيء يمضي بإيقاع العمل والإنتاج والاقتصاد. لا أحد ينتظر الهلال، ولا تتغير ساعات المدن لأجله. ألتفت إلى الوراء فأجد الحنين يسبقني. كم يتمنى المرء أن يعود إلى قريته، لا عودة المكان فقط، بل عودة الزمان معه.. غير أن الزمن لا يعود.
ولعل الإنسان لا يملك إلا أن يمضي قدمًا حتى نهاية الرحلة، يحمل في ذاكرته ما استطاع من الضوء، ويُحسن المسير. وعند الصبح يحمد القوم السُّرى.