صنعاء 19C امطار خفيفة

ثورة 11 فبراير.. حين خرجنا لاستعادة الدولة والمعنى

مثلت ثورة 11 فبراير 2011 لحظة وعي جماعي نادرة في تاريخ اليمن المعاصر؛ حين خرج الشعب إلى الساحات بعد صمت طويل، وقرر للمرة الأولى منذ عقود أن يتحدث بصوت مسموع خارج وصاية السلطة وخارج قوالب السياسة التقليدية ونخبها.

كانت فبراير محطة فارقة في التقويم السياسي اليمني، أعادت تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، وكسرت احتكار المجال العام.
جاءت فبراير بوصفها لحظة استعادة للكرامة الوطنية أكثر من كونها صراعا على الحكم؛ فالحراك الشبابي الذي ملأ الساحات انطلق من إحساس عميق بالمسؤولية تجاه دولة احتكرت لسنوات من قبل العائلة والقبيلة وشبكات الولاءات، في ظل فساد مزمن، وفرص مسلوبة، ومستقبل مغلق أمام جيل كامل. لهذا احتشد اليمنيون دون قيادة مركزية واضحة، مدفوعين برغبة واحدة: استعادة حقهم في دولة ضامنة تمثلهم وتحمي مصالحهم.
ما منح الثورة زخمها الأول كان طابعها الاجتماعي العابر للاصطفافات التقليدية؛ حيث تحولت الساحات إلى فضاء عام جديد تراجعت فيه الفوارق المناطقية والطبقية، واختلطت الهويات السياسية والمذهبية في مشهد غير مألوف؛ حضرت المرأة بكثافة لافتة، وتصدر الشباب المشهد بعد سنوات من التهميش. كان ذلك التحول رسالة سياسية قائمة بذاتها، أكدت أن المجتمع سبق نخبه بخطوة.
أحد أهم مكاسب فبراير أنها أعادت تعريف من يملك الفعل التاريخي؛ فالأحزاب لم تعد تقود الشارع كما اعتادت، ووجدت نفسها تلتحق بزخم شبابي سبقها، وهذا التحول كشف أزمة النخبة السياسية، وأظهر حجم الفجوة بينها وبين جيل لا يريد إعادة تدوير السلطة، بل يسعى إلى تغيير قواعدها وبناء دولة تقوم على الشراكة والمساءلة والعدالة.
كانت السلمية السمة الأبرز للحظة الثورية، في مواجهة القمع، حين تمسك الشباب بالهتاف وحده وسيلة للتعبير، ما منح الحراك شرعية أخلاقية واسعة وعرى طبيعة النظام القائم آنذاك.
ومع انتقال الحراك الثوري إلى المسار السياسي تحت ذرائع شتى، أبرزها كبح جماح العنف والانتقال السلس، اتجهت البلاد نحو تسوية توافقية برعاية سعودية، عرفت باسم "المبادرة الخليجية"، أبقت على النصف من بنية النظام السابق في الحكومة ومؤسسات الدولة. وأفضت هذه العملية إلى مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي مثل أحد أبرز المنجزات المؤسسية في سياق ثورات الربيع العربي. غير أن الحراك الشبابي نفسه، رغم زخمه الأخلاقي واتساع قاعدته الاجتماعية، لم يتمكن من التحول إلى كيان تنظيمي متماسك قادر على حماية مشروعه السياسي في مرحلة التفاوض المعقد، وبقيت قوى الثورة موزعة بين تيارات متعددة، تفتقر إلى بنية قيادية موحدة وإلى أدوات ضغط مؤسسية تمكنها من التأثير في تفاصيل المرحلة الانتقالية.
وتراجع الصوت الشبابي تدريجيا، مع دخول الأحزاب التقليدية بثقلها التفاوضي، وانتقال مركز القرار إلى دوائر أكثر خبرة في إدارة السلطة، وأقل اندفاعا نحو تغيير قواعدها؛ هذا الفراغ التنظيمي جعل الثورة أخلاقيا قوية، لكنها بدت سياسيا أقل قدرة على الدفاع عن مكتسباتها.
كما أن المسار الانتقالي بدوره لم يكن محصنا بما يكفي لحماية منجزاته؛ وهذا ما فشلت فيه النخب السياسية، صحيح أن التسوية السياسية أوقفت الانفجار حينها، لكنها لم تعالج البنية العميقة لاختلال الدولة اليمنية. وظل النفوذ العسكري والأمني موزعا بين مراكز قوى متنافسة (علي عبد الله صالح وحلفائه، وعلي محسن الأحمر وحلفائه)، وبقيت مؤسسات الدولة هشة تعاني من تراكمات طويلة دون إصلاح جذري.
وأدى بطء تنفيذ مهام المرحلة الانتقالية، ومخرجات الحوار وتراجع الثقة العامة، إلى تشكل فراغ سياسي وأمني كان قابلا للاستثمار. ففي هذه اللحظة لم يعد المشهد داخليا فقط؛ فالسعودية التي قادت "المبادرة الخليجية" وأرست نقلا تفاوضيا للسلطة حافظ على قدر من الاستقرار، غير أنه ومع تصاعد نفوذ الحوثيين وتحالفهم مع علي صالح، تحولت السعودية ومعها الإمارات إلى طرف مباشر في الصراع عبر التحالف العربي، في تدخل أعاد تعريف طبيعة الصراع من أزمة سياسية داخلية، إلى حرب متعددة المستويات، منتجة تعقيدات إضافية على مستوى السيادة والانقسام.
في هذا الفراغ، برزت جماعة الحوثي كفاعل منظم يمتلك بنية عسكرية وعقائدية متماسكة، فاستثمرت بطء الانتقال وتشتت القوى السياسية وانشغالها بالمكاسب والمناصب، لتتحول من طرف في الهامش إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل مركز السلطة.
في المقابل، وجدت إيران في هشاشة الدولة فرصة لتوسيع نفوذها عبر دعم جماعة الحوثي سياسيا وإعلاميا وعسكريا بدرجات متفاوتة، مستفيدة من الانقسام الداخلي ومن بطء حسم مهام المرحلة الانتقالية. هذا الدعم لم يكن منشأ الأزمة، لكنه أسهم في ترجيح كفة طرف مسلح يتحرك بمشروع يتجاوز حدود الشراكة الوطنية.
أما الولايات المتحدة ومعها أغلب الدول الغربية والأمم المتحدة، فقد تعاملت مع اليمن من زاوية أولويات مكافحة الإرهاب وأمن الممرات البحرية، فدعمت انتقال السلطة بوصفه مخرجا يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار، دون انخراط عميق في إعادة بناء مؤسسات الدولة أو معالجة جذور الانقسام.
هذه الحسابات الإقليمية والدولية تداخلت مع هشاشة الوضع الداخلي، فتحول المسار الانتقالي إلى ساحة تنازع مصالح، ودخلت قوى الثورة المضادة بقوة السلاح لتفتح البلاد على مسار الانقلاب والحرب،
مع ذلك، فإن اختزال ثورة 11 فبراير في نتائجها السياسية وحدها يظلم معناها الأعمق. فقد كسرت الثورة حاجز الخوف، وأسقطت صورة الحاكم غير القابل للمساءلة، وأعادت الاعتبار لفكرة أن المجتمع قادر على فرض حضوره في المعادلة السياسية؛ هذا التحول في الوعي يصعب التراجع عنه مهما طال الزمن.
غير أن السؤال الذي مازال يتردد حتى اليوم، هو ما إذا كان الإصلاح التدريجي ممكنا دون الذهاب إلى لحظة الانفجار. هذا السؤال مشروع، ويستحق النظر، لكن قراءة بنية النظام آنذاك تكشف أن أدوات الإصلاح كانت واقعة داخل المنظومة نفسها؛ حيث تماهت الدولة مع شبكة مصالح مغلقة موغلة في الفساد، كانت بالضرورة سوف تحول التدرج في الإصلاح إلى آلية لإعادة إنتاج الأزمة وليس تفكيكها؛ وفي مثل هذه السياقات، لا يصبح الشارع خيارا أول، وإنما يتحول إلى ملاذ أخير عندما تغلق قنوات التغيير المؤسسي. ومن هنا يمكن فهم فبراير بوصفها نتيجة انسداد طويل، أكثر من كونها رغبة طارئة في القطيعة مع النظام السابق، أو مؤامرة تدار من الخارج.
فبالرغم من أن كسر التوازن الذي حكم علاقة السلطة بالمجتمع لعقود، وإن كان ضرورة تاريخية، حمل معه ثمنا مؤسسيا واضحا؛ إذ اهتزت هياكل الدولة الهشة قبل أن يعاد بناؤها، فبدت المرحلة الانتقالية معلقة بين نظام يتفكك ودولة لم تتشكل بعد.
ما تحتاجه فبراير اليوم، مراجعة نقدية شجاعة تعترف بإخفاقات النخب وبمحدودية التجربة التنظيمية للحراك الثوري ذاته، وتفكيك أسباب التعثر دون التنكر للحظة التي ولد فيها الأمل؛ فأسئلة الثورة ما تزال قائمة: كيف تبنى دولة لا تختطف؟ وكيف يتحول الاندفاع الأخلاقي إلى قدرة سياسية مستدامة؟ وكيف يحمى القرار الوطني من الارتهان لصراعات الخارج؟
تظل ثورة 11 فبراير سؤالا مفتوحا في ضمير اليمنيين، وتجربة حاضرة كلما ضاق الأفق وبدا التغيير مستحيلا.
في بلد اعتاد على كسر الأحلام، كانت فبراير إعلانا أن هذا الشعب قادر على أن يرسم مستقبله بإرادة جماعية، وأن مشروع الدولة العادلة لم ينته بعد، مازال ينتظر شروطا أكثر نضجا لتحقيقه.

الكلمات الدلالية