صنعاء 19C امطار خفيفة

قِصَّة قَصِيرة

سالم ومأدبة العشاء

سالم ومأدبة العشاء
صورة رمزية انشأت بالذكاء الاصطناعي

فَجأةً وَجَدَ سَالم نَفسَهُ وَحِيدًا كَئيبًا، مُثقَلاً بالديون والهُموم مَعًا. لم يكن شعوره بالوحدة التي كان يعاني منها قِياسًا بالليلة الفائتة سوى أمرٍ بسيط.

كان مُثقلاً بالتزامات كثيرة لم يستطيع الوفاء بها. لم يتمكن صبيحتها من تناول وجبة الإفطار الذي قدمته له خادمته الطيبة؛ حتى يملئ معدته، ويقيم صلبه المُنحَنِي أصلاً.
الأطيان الزراعية التي كانت تعود عليه بغلاتها وخيراتها، وَتُدِّرُ عليه أربَاحًا معقولة، لم تنتجْ شَيئًا. فالجدب والجفاف الذي ضرب الأرض، وشُحَّة الآبار، وتغير المناخ أضرَّ بالمحصول.
أدركَ مُؤخَرًا أنه كان عليه أن يتخلى عن كُلِّ أدواته القديمة التي اعتاد عليها، ويستبدلها بآلات حديثة؛ كي يتفادى خسارته، ويساير قانون التطور، لكنه أخفق فِي اجتياز هذا الاختبار، وفشل في دَرْسِ التَّكيُّف فَشلاً ذَرِيعًا.
ومع ذكاء سالم المفرط حَدَّ المَكر، إلا أنَّ طبيعته الانطوائية وكبرياءه المبالغ فيه- حالا دون أن يُصغِي إلى نصائح عَامله المخلص الذي لم يفتأ يخبره بضرورة استجلاب مُعدَّات حديثة تُوفِّر كثيرًا من الجهد، وتضاعف المحصول، لكنه سَدَّ أذنيه عن تلك النصائح، فخسر، ولم يجد أدنى تعاطف من محيطه الذي يعيش فيه بعد تكبده لهذه الخسارة التي مُنِيَ بها.
كان عزاؤه الوحيد ألا أحَدَ في الجوار لاحظَ مقدار البؤس والتعاسة التي وَصَلَ إليها، أو لعله لم يكن أحد لِيهتمَّ بذلك أصلاً.
ومع انقباضه عن الناس وانزوائه المعروف عنه، كَانَ لَعُوبًا مَاجنًا، لكن لم تكن علاقاته الغرامية، ومغامراته الجنسية سِوَى شريط مُتحرِّك يَمرُّ مَرًّا سَرِيعًا في حانة رخيصة بالجوار.
لم تترك تلك الحانة، ولا شراب العَرَق الرخيص الذي كان يتعاطاه، ولا نساؤها أيَّ أثرٍ في رأسِهْ.
كان مرتادو الحانة يَرونَ فِيهِ شَخْصًا غَريبَ الأطوار. فهو عند تناول طعامه يختار مَكانًا قَصيًّا؛ بحيث لا يراه أحد، ثُمَّ يدير ظهره للجميع مُستقبلاً الجدار كيهودي متشدد يَهزُّ رأسه على حائط المبكى.
ويبدأ طقسه بتناول طعامه بقلق وتوتر باديين، ويحتسي شرابه على عجل؛ كما يفعل مع المومسات اللواتي كان يضاجعهُنَّ، وَلا يَتبين مَلامِحهُنَّ، فَضلاً أن يعرف أي شَيءٍ عنهن.
أمَّا الآن، فهو ليس أكثر من مفلس يحيط به الإفلاس من جميع جهاته. إفلاس بكل ما تعنيه هذه الكلمة. فَلا مَحصولَ نَجَا من موجة الجفاف، وَلا أحَدَ بجانبه يواسيه أو يخفف عنه.
كُلُّ ما تبقَّى له منزل متوسط بجوار مزرعته، وخادمته المخلصة، ومقدار ضئيل من المال، حَارَ كيف يتصرف فيه، وماذا يفعل به؟
نظرت إليه الخادمة بأسى، وأرادت أن تخرجه من حالته:
- لا تبتئس يا سيدي. إنَّها سحابة توشك أن تتقشع، فتعود الأمور إلى مجراها الطبيعي.
نَزلَ كَلامُهَا على قلبه كَماءٍ بارد في أيام صيف شديد الحرارة. كانت المرة الأولى التي يشعر بوجود تلك الخادمة. مع أنها تخدمه لأربعة عُقودٍ من الزمن.
كانت علاقته معها رسمية، لا تخرج عن الطلبات التي قد يحتاجها، أو إلقاء الأوامر والتعليمات إليها.
بَدا حَديثها وكأنه تيار نسيم مُنعِش هَبَّ على قلبه. حديث لم يخبره مُدَّةَ حياته. سَألها عن حياتها، وشئونها الخاصة، وعن عائلتها، وأثناء حديثه وَقَعَ نظره من إحدى النوافذ المفتوحة بالصالة- على بيتين يقعان بجواره، وكأنها بنيا للتوِّ في تلك الساعة. سألها بفضول:
- من صاحب هذا البيت المقابل لنا؟
- ألا تعرف صاحبته؟! إنها السيدة رِهَام. أرملة محترمة ولطيفة وجميلة أيضًا. مات زوجها قبل بضع سنوات. تعيش هي وأمها وطفلتاها الصغيرتان، وتعمل في متجر لبيع الكتب.
- وبيت من ذلك الذي يقع على الميمنة؟
إنه بيت جارنا الطيب هزيم. يعمل في شركة للاستيراد والتصدير. وزوجته هتون امرأة فاضلة تعمل مُدَرِّسَة بالمدرسة التي بالجوار.
واستمر حديث سالم مع خادمته إلى منتصف الليل، ولم ينتبه إلا حين رأى سَاعتهُ تشير إلى الثانية عشرة صَباحًا.
استأذن سالم من خادمته، ليذهب للنوم. وفيما هو يضع رأسه على مخدته، أخذ رأسه يدور ويدر ويدور..
كانت المرة الأولى في حياته الذي يتبادل الحديث بشكل عميق وحميم مع إنسان.
أينه من كل هذا؟
وبدأت الأسئلة تنثال على رأسه عن الأرملة التي تسكن بجواره مع أمها وطفلتيها، وعن جاره الآخر وعائلته.
أثار حديث خادمته الطيبة عن جيرانه شيطان فضوله.
في الصباح الباكر، وَفِيمَا كانت الخادمة تقوم بأعمال المنزل، ألقى عليها تحية الصباح:
- أريدك أن تذهبي لجيراننا؛ لتخبريهم بأنَّي أدعوهم لتناول طعام العشاء في منزلي.
فِي المساء كان الجيران وعائلاتهم يتبادلون الأحاديث بمنزله. تحدث مع السيدة الأرملة. كانت المرة الأولى التي شعر فيها بخَفقَان قلبه. لم يتبين سَببًا وَجيهًا لذلك. بدأت الأسئلة:
هل أنا بخير؟ هل صحتي على ما يرام؟ هل أثرت خسارتي على قلبي؟
لكنه تذكر أنه نام جَيِّدًا البارحة.
إذن ما سبب هذا التعرق وخفقان القلب، والشعور الغريب الذي أشعر به تجاه رهام؛ هذه المرأة الفاتنة؟!
كانت رهام بالفعل شابة حلوة، عذبة الحديث. تتميز بسحر وجاذبية. كانت ذكية، وتتمتع بروح الدعابة واللطف.
أعلنت الخادمة بأنَّ العشاء جاهز..
جلس سالم بجانب جاره. تَحدَّثَا عن العمل والأسرة وعن شئون كثيرة: خاصة، وعامة. كَانَ حَديثًا مُمتعًا وَشَيقًا وَمُفيدًا.
استأذن الضيوف للانصراف. رافقهم سالم إلى عتبة الباب مُودِّعًا وَشَاكرًا لطفهم بتلبية دعوته.
ذَهَبَ إلى غرفته بغبطة وَسَعادة غامرة؛ شَاعرًا بالامتنان على تجربة لم يكن عاشها ولا خاضها من قبل.

الكلمات الدلالية