في الذكرى الـ15 لـ"الربيع" من القرن إلى السبلة
ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻓﺮ ﻣﻦ ﺣﻈﻴﺮﺓ ﺍﻟﺒﻘﺮ
ﺍﻟﺜﻮﺭ ﻓﺮ
ﻓﺜﺎﺭﺕ ﺍﻟﻌﺠﻮﻝ ﻓﻲ ﺍﻟﺤﻈﻴﺮﺓ
ﺗﺒﻜﻲ ﻓﺮﺍﺭ ﻗﺎﺋﺪ ﺍﻟﻤﺴﻴﺮﺓ
ﻭﺷﻜﻠﺖ ﻋﻠﻰ ﺍﻷﺛﺮ
ﻣﺤﻜﻤﺔ ﻭﻣﺆﺗﻤﺮ
أحمد مطر
**
القرونية
تحكي لنا الجدات الأساطير، أن الكون كان يقف على قرن ثور ضخم، وكانت أية حركة أو غضب يجتاحه يتسبب بالزلازل والبراكين، وكل عنف الطبيعة، فالحياة في الكون متوقفة على حركة ومزاجية الثور: غضبه من سعادته، لذا قُدس الثور.

ويحكي تاريخ البشرية أنه بمرور الزمن، وبفعل قانون التغير، بدأ الكون ينفصل تدريجيًا عن القرن النابت في رأسه، وبدأت الكائنات تستقل وتمارس حياتها الطبيعية. وكذلك فعل الإنسان عندما تأنسن ومارس آدميته، وشغّل عقله وحواسه الأخرى، فاخترع الآلة، واستثمر في الطبيعة، واشتغل على العلوم والمعارف من فلسفة وآداب وفنون... الخ، وتوج مبدأ الحرية والفردية بدساتير وقوانين تفصل الدين عن الدولة، وقاد عجلة التنوير لا بخدمة شخصه، بل في خدمة البشرية والكائنات الأخرى. كل تلك الإنجازات البشرية حدثت مذ أن قطع الإنسان علاقته الوجودية بقرن الثور، واشتغل عليه علميًا، أسطورة، وفن ومتحف، تفكيكه معرفيًا.
**
أما اليمنيون فمازالوا حتى اللحظة يقفون يصحون وينامون ويتثاءبون ويخزنون بأنواع القات المسموم، يتناسلون ويثورون وينقلبون على قرن ثور، فلا يريدون أن يعملوا مثل بقية العالم، أن ينفصلوا تدريجيًا عن الثور وقرنه.. فـ"السبطة" سبطة وجودية، فخوفهم السائل والمتصلب يجعلهم يعتقدون إذا ما انفكوا عن القرن وثوره سينتهون، وتنتهي معهم آيات: "أنا يمني واسأل التاريخ عني، أنا يمني"!

**
المزعج أنه كلما لاحت بوادر الانفصال عن القرن -على استحياء- هاجت الجموع المليونية المفجوعة، متفجرة بالمسيرات المنددة بفصل ثوابت الأمة عن القرن، فيرعدون بزعيق خطبهم النارية (خصوصًا المسجد والمدرسة والمقيل) بأننا أمام معترك تاريخي وجودي ومؤامرة صهيو-أمريكية لاجتثاث وجودنا "السابط" على قرن الثور المقدس، فبالقرن نكون أو لا نكون. فكيف سنكون "خير أمة" بدون القرن المقدس، كيف بالله عليكم؟!
ففي تقاليد وأحداث اليمن "المُثوّرة" لم نكتفِ بالوقوف والوساح والرقدة على قرن الثور، بل وبجانبه اعتمدنا قرونًا قاتلة أخرى: قرون الرصاص الناسف، قرون القات، وقرون الجنبية، وقرون القبيلة، قرن الدين الوهابي السلفي، والتشيع المحوثن، ثم قرن القرون: الغنيمة "الفيد" كحق إلهي، وملاحقة النساء والأطفال والتنكيل بهم شتمًا وقهرًا وسجنًا، وليس بآخر قتلًا، بمسمى قرن الشرف والعرض السامين.
**
القرن الثوراني اليمني لا يفصل بين الأسطوري والواقعي، فهما واحد أحد، لا شريك له. وعندما تهب نسمة تحضر خفيفة من أي شق في العالم، تتنادى الجموع وتتدافع على القرن اليتيم، وبزامل الغارة والعيب الأسود والأغبر، يعمدون بالدم آيات: القرن هو اليمن، واليمن هي القرن "ثور البارق"، وما أحداث يوم "الربوع على قرنك وقرن أبوك"، إلا إحدى أساطير القرون الأليمة والمتضادة مع فكر الحياة.
**
في الألفية الثالثة، قيل إن الثور الأسطوري لليمن قد أنهك، وبدأ يتفتت من شدة "البلطحة" والفرغة، فلا مهرة ولا عمل سوى التلجيع النووي بالقات والبردقة البصقانية الربانية ونعث الحروب والثورات وتضاداتها والحكومات وبرلماناتها، بتدوير مخلفات القرون، والتدين الزائف المتذهب بالعرق والنطفة الإلهية، ورصة العباهلة والأقيال، أما الجهل المسلح والتعمية المستدامة فعنوان القرن بامتياز، تتزامن القرونية الأصيلة بالشغل الحثيث على اعتوار النساء وطربلتهن بالشرشف الأسود الكاتم للتنفس والحياة، وتجريمهن برصد أنفاسهن، وليست شيماء وسميرة... الخ آخر الضحايا في فلك القرن وأهله.

يقول الثور، إنها عيشة ما قبل الآدمية، يمنييون يعتصدون على قرني في جمنة جهنمية، وهل من مزيد، بل يتحاقرون على اللاشيء، فمع كل نطحة مقتلة.
**
ولأن قرن الثور الأسطوري عمره محدود لحمله الكون ملايين السنين، وبرغم انفصال البشرية عنه، لكنه لم يعد يستطيع أن يتحمل اليمن وأهلها، خصوصًا من عام 2011، 2014، وحتى اليوم 2026، أعوام فاضت بالخراب والدمار فاق كل التقلبات والتناحرات الظاهرة والباطنة، بين الإخوة الأعداء، والجوار المعادي الذي صدر وشكّع اليمن بقرونه التي تخلص منها، ونجع بها في اليمن.

لنسمع ماذا حكت الجدات عن الثور:
ذات يوم وقد اعتراه المرض وأحس بدنو أجله، جمع الثور اليمنيين بطوائفهم واتجاهاتهم المختلفة، وقال: حلوا عن قرني بجاه الله، أنهكتموني، سأنقرض بسببكم، دهور طويلة وأنتم جاثمون على قرني، مُبلطحين مخدرين بالقات، مُبجمين ومُبحشمين، ومبردقين، وآخرها "تنجعوا" مخرجاتكم على قرني.. الله يخزيكم!
ردوا عليه: الله المستعان، نحن قدسناك يا ثورنا، وجعلنا من قرنك إلهًا، فلماذا تريد أن تنفصل عنا؟ كيف سنصبح بلا أب؟ سنكون عراة بلا: أصل، وهويات العرب العاربة، والشرف، الإيمانية والعرق الإلهي، والقرآنات التي تكاثرت، كيف نحمي صناديق "يمني وأفتخر" التي اختصنا بها الرب دونًا عن البشرية؟

واصلت الجموع منددة: والله إنك ثور مكسور ناموس وقليل أصل، تريد أن تجعلنا متساوين ونغدوا مواطنين مثل العالمين، يا عيباه؟!
كرر الثور متوجعًا: يا جماعة الخير، قرني بدأ يتكحتت من شدة الدمار والخراب الذي تعيشونه، فمن أين لي بقرن غيره؟ أتعرفون، أيها "المتأبدون"، لم يبقَ على قرني سواكم، يا أصل اللاشيء؟ فكروا بحل إنقاذي لأنفسكم، وابدأوا حياتكم الطبيعية مثل كل الأمم؟ استحوا!
قلت لكم مليون مرة: بس، خلاص، اذهبوا فأنتم الطلقاء، خروا مني كظاك، ومافيش فائدة، إني أموت اليوم يا جن.
أريد أعرف قبل أن أنقرض، من سماكم "اليمن السعيد"، والأرق أفئدة، وألقاب الخرتتة الفائضة؟!
كالعادة، لم يعبأوا بمخاطر حديث الثور، ليطلقوا راجمات "ما نبالي"، "القناص اليماني"، و"الفتح المبين"، ليدخل الثور في غيبوبة الموت، ليواصلوا "الانبطاح اللزج واللاصق"، ويتداولوا في مقايلهم وجبهاتهم وعلى وسائل التواصل الاجتماعي، باختراع مهالك قرونية جديدة على الطاقة الشمسية وعلى البطاطا والزمزمية، وخازوق أنساب قحطان ومفاتيح ياجوج وماجوج، ومغالق الكهف الربانية، وديناصورات العشيرة والقبيلة، وزر "يا قرني تكلم"، وليس بآخر شاقوص "الحرب ولعتي وفني"، من اليمن، إلى الرياض والإمارات سارح ومروح، فارغ ومحمل.
**
لم يهنأ الثور/ القرن بنزعه الأخير، خصوصًا وهو يراهم بصورة تتساوى الحياة مع العدم، و"ولا يهزك ريح" يا يماني!
خاف الثور على "يمن ما نبالي" من أنفسهم، وطزطزتهم العبثية بكل شيء، حتى وهم بحلق الفناء.
بألم، قال: سأعطيهم محاولة أخرى كي لا ينقرضوا معي، وتكون نهايتنا معًا، لا بد من حل يضمن حياتهم، والله "ما بهم سخى"!
السنامية
أتته فكرة، وقال: "مادام إن قرني انتهى، فلا بد من حل بديل بما تبقى من جسدي، ألا وهو، سنامي".
اجتمع بهم مرة أخرى، محدثًا إياهم، بأن عصر الأساطير وأصل وخرافات قحطان وابن عمه عدنان، قد انقرضت، محذرًا: "هذه آخر نطحة أقدمها لكم -عفوًا- لم أعد ثورًا مناطحًا كما اقتضت طبيعتي، بعد أن قرطتم قرني وفتتموه، وزوملتم وابترعتم عليه، وشننتم بلا هوادة "الحرب من طاقة لطاقة"، فهاكم سنامي المهلهل، كمحاولة نهائية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، نعم سأحملكم على سنامي. فأتمنى ألا "تمرصوا" سنامي مع المرق، ليكون دسمًا يغذي مزاج القات ومباصقه الزهمة"!
أم الفجائع
عملها اليمنيون، مرصوا "سنامي" مع مرقهم الدسم، بل يمرصون بعضهم بعضًا بقوة الغلبة المتوحشة، أما رائحة الشنص والزنخ فقد ملأت سماوات بقعة "الحكمة والأرق أفئدة"!
السُّبلانية
أيها اليمنيون: لقد أنهيتم قرني وسنامي، بكل عبثية وهدر للحياة، وارتأيت اليوم، أمنحكم المنجأ الأخير بما تبقى مني سليمًا، وهي سبلتي، أساعدكم لتدخلوا العصر المفتوح على الحياة بأفق الإنسانية. وأذكركم بأن قانون التغير والتطور لا يرحم، فهاكم سبلتي.
ولدهور طويلة لا تعد ولا تحصى، ظل اليمن يقف على سبلة الثور المهترئة، فمع كل حركة وعطسة وتثاؤب للسبلة تطيش البلاد شمالًا وجنوبًا، ليشتد القحط والدمار والحروب واقتتالات الهويات الدينية والعرقية حوثية وإصلاحية، وصالحية، وأحمرية وسوداوية، حراكية انتقالية، ومضادة، عدينية ومخلافية، صيادية وأم صبيانية، جراجيف طاهشية لا خلت ولا بقت، فتقصقصت اليمن "أشقاف أنداف، ذرور على عدد شعر ما تبقى من السبلة.
**
خر الثور بسبلته مقذوفًا ينازع الروح، ويبترع على براكين الاقتتال وزلازل المحاصصة والمقاحصة الدامية، قال مودعًا: يا "أبو يمن"، ما يحدث يفوق خيال سبلتي، وقبلها قرني وسنامي الأسطوريين.
في صبيحة أحد الأعياد الوطططنية، لفظ الثور أنفاسه الأخيرة.
ليواصل "أبو يمن" البرع على جثة ثورهم، ويتسابقوا ببجم القات والبردقان والسلاح والمليشيات في جبهات مليونية لا تذر، بشعار النازية الجديدة: "سليت سيفي في سبيل الله وأسرجت الجواد ما بارجع إلا منتصر في المعركة وإلا شهيد جندي لأبو جبريل متجند مع رب العباد".
قطف خبر
مازالت اليمن حتى اليوم تعيش على قرن مليون ثور وثور يتوالدون من كهوف الماضي السحيق، ولن تجدي اختراعاتهم الهاذية في كل يوم ثورة وانتفاضة، واحتجاج، ومليونية، ما لم توجد الدولة المدنية، ويتم القطع مع الماضي وخرافات القداسة، بالعلم والمعرفة والفنون: التنوير بالانفتاح على الإنسانية الكونية.
وإلا كيف تشوفوا؟!