من إدارة النزاع إلى معالجة أسبابه: نحو سلامٍ يقوم على العدالة والمواطنة المتساوية
تعيش المجتمعات في عالمنا اليوم، حالةً متواصلة من النزاعات والصراعات التي تتخذ أشكالًا متعددة: سياسية، اجتماعية، طائفية، واقتصادية. وغالبًا ما تنشغل الجهود الرسمية والشعبية بما يُعرف بـ"إدارة النزاع"، أي الحدّ من حدّته أو احتواء آثاره الآنية، دون أن تنتقل بجدية إلى مرحلة أعمق وأكثر استدامة، وهي معالجة الجذور الحقيقية التي أدّت إليه من الأساس.
وفي اليمن، حيث يعيش الناس منذ سنوات طويلة تحت وطأة حرب معقّدة ومتداخلة الأطراف، تتجلّى هذه الإشكالية بوضوح. فبين جولات التفاوض، والهدن المؤقتة، وتغيّر موازين القوى، يبقى السؤال الجوهري معلّقًا: هل نكتفي بإدارة النزاع، أم نمتلك الشجاعة للذهاب نحو معالجة أسبابه العميقة؟
إدارة النزاع، رغم أهميتها، تشبه في كثير من الأحيان معالجة أعراض المرض دون تشخيص أسبابه. قد تُخفف الألم مؤقتًا، لكنها لا تمنع عودته، ولا تضمن شفاءً حقيقيًا. أما معالجة الأسباب، فهي الطريق الأصعب، لكنها الطريق الوحيد لبناء سلام دائم.
أول هذه الأسباب يتمثل في غياب العدالة، بأسبابها المختلفة ومنها عدم تطبيق القانون بشكل عادل. حين يشعر الإنسان أن حقوقه منتهكة أو مهمشة، تتراكم داخله مشاعر الغضب والظلم، ومع الزمن تتحول إلى وقود للنزاع. السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على مجرّد وقف إطلاق النار أو توقيع اتفاقات سياسية، بل على منظومة عادلة تضمن الكرامة الإنسانية لكل فرد دون تمييز.
السبب الثاني هو ضعف الشعور بالانتماء المشترك. كثير من المجتمعات تُعرّف نفسها من خلال هويات ضيقة: طائفية، قبلية، أو مناطقية، فتتحول هذه الهويات من مصدر غنى وتنوّع إلى أدوات صراع وإقصاء. بينما الحقيقة أن المجتمع القوي هو الذي يرى في تنوّعه مصدر قوة، ويؤمن بأن الاختلاف لا يعني التنافر، بل التكامل.
إن الانتقال من إدارة النزاع إلى معالجة أسبابه يتطلب تغييرًا في طريقة التفكير قبل تغيير السياسات. نحن بحاجة إلى ثقافة جديدة ترى الإنسان قبل الانتماء، وترى الكرامة قبل المصالح، وترى الوحدة قبل الغلبة. ثقافة تؤمن بأن أي حلّ لا يراعي مصلحة الجميع هو حلّ مؤقت مهما بدا قويًا.
ومن أهم ركائز هذا التحول هو الاستثمار في التربية والتعليم. فالقيم التي يتشرّبها الطفل في سنواته الأولى ستنعكس لاحقًا في سلوكه كمواطن وفاعل اجتماعي. تعليم يقوم على تنمية التفكير النقدي، واحترام الآخر، وروح التعاون، والمسؤولية المشتركة، هو الأساس لبناء أجيال قادرة على حل الخلافات بالحوار بدل العنف.
كذلك يلعب الإعلام دورًا محوريًا في هذا المسار. فإما أن يكون أداة لتأجيج الانقسام عبر خطاب الكراهية والتخوين، أو أن يكون مساحة لتعزيز الوعي، ونشر قصص التعايش، وتسليط الضوء على المبادرات الإيجابية. الإعلام المسؤول لا يكتفي بنقل الخبر، بل يساهم في تشكيل وعي جمعي يدرك تعقيدات الواقع، ويبحث عن حلول بنّاءة.
ولا يمكن إغفال دور الأفراد في هذا التحول. كثيرون يظنون أن السلام مسؤولية الحكومات وحدها، لكن الحقيقة أن كل فرد يساهم، بشكل أو بآخر، في تكريس النزاع أو في الحدّ منه. كلمة تُقال، موقف يُتخذ، أو حتى صمت في وجه الظلم، كلها أفعال لها أثر. حين يختار الإنسان أن يكون من دعاة الإنصاف بدل التحريض، ومن مناصري الحوار بدل الإقصاء، فإنه يضع حجرًا في بناء السلام.
إن معالجة أسباب النزاع تتطلب أيضًا شجاعة الاعتراف بالأخطاء، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. فالمجتمعات التي تملك الشجاعة لمراجعة تاريخها ونقد ذاتها بصدق، تكون أقدر على تجاوز جراحها. الاعتراف لا يعني جلد الذات، بل فتح الباب أمام التعلم والنمو.
كما أن أي مشروع للسلام يجب أن يكون شاملًا، لا يستثني فئة ولا يُقصي صوتًا. المشاركة الواسعة في صنع القرار تعزّز الشعور بالمسؤولية المشتركة، وتُضعف النزعات التي ترى في العنف وسيلة وحيدة للتغيير. حين يشعر الناس أن أصواتهم مسموعة، وأن لهم دورًا حقيقيًا في رسم مستقبلهم، يقلّ استعدادهم للانخراط في مسارات مدمّرة.
إن العالم اليوم أحوج ما يكون إلى رؤية جديدة للسلام، سلام لا يُختزل في غياب الحرب، بل يُعرّف بوصفه حضورًا للعدالة، وتوافرًا للفرص، واحترامًا للكرامة الإنسانية. سلام يرى في الإنسان قيمة بحد ذاته، لا وسيلة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية.
واليمن اليوم، بما يحمله من جراح عميقة وإمكانات إنسانية هائلة، قادر على أن يكون مثالًا على أن الشعوب لا تُعرّف بمآسيها، بل بقدرتها على النهوض منها. الانتقال من إدارة النزاع إلى معالجة أسبابه ليس مسارًا قصيرًا ولا سهلًا، لكنه ممكن. يبدأ بخطوة صغيرة في الوعي، تتبعها خطوات في السلوك، ثم تتجسّد في سياسات ومؤسسات. وكل مجتمع يختار هذا الطريق إنما يختار الحياة بدل الدوران في حلقة الصراع.
في نهاية المطاف، السلام ليس حلمًا مثاليًا بعيد المنال، بل خيارًا واعيًا يتطلب إرادة جماعية. خياراً بأن نضع الإنسان في قلب معادلاتنا، وأن نؤمن بأن مصيرنا مشترك، وأن خلاص أي فرد مرتبط بخلاص الجميع. حينها فقط يمكن أن ننتقل حقًا من إدارة النزاع إلى معالجة أسبابه، ومن هشاشة الهدنة إلى رسوخ السلام.